السؤال:

هل يجوز كتابة القرآن الكريم بالحروف الإنجليزية مع أن الحروف الإنجليزية ناقصة عن الحروف العربية فالإنجليزي مثلاً إذا أراد أن يكتب مصر بالإنكليزية تُقرأ ( مسر ) أو أحمد تكتب ( أهمد) وهكذا .. أفيدونا جزاكم الله خيرا؟

الجواب:

فلا تجوز كتابة القرآن بغير الحروف العربية، ولو كانت هذه اللغة تحتوي على حروف العربية –كالفارسية-، وذلك لأنه منذ نزول القرآن وجمعه في عهد أبي بكر وعثمان – رضي الله عنهما- والقرآن يكتب بالحروف العربية، وأجمع على ذلك التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا رغم وجود الأعاجم فوجبت المحافظة على ذلك عملاً بما كان في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه وأصحابه رضي الله عنهم، وعملاً بإجماع الأمة..

يقول الشيخ محمد رشيد رضا – رحمه الله- صاحب المنار:

المقصود من الكتابة أداء الكلام بالقراءة، فإذا كانت الحروف الأعجمية التي يراد كتابة القرآن بها لا تغني غناء الحروف العربية لنقصها كحروف اللغة الإنكليزية ، فلا شك أنه يمتنع كتابة القرآن بها لما فيها من تحريف كَلِمه، ومن رضي بتغيير كلام القرآن اختيارًا فهو كافر.

وإذا كان الأعجمي الداخل في الإسلام لا يستقيم لسانه بلفظ محمد فنطق بها ( مهمد ) وبلفظ خاتم النبيين فيقول ( كاتم النبيين )، فالواجب أن يجتهد بتمرين لسانه حتى يستقيم ، وإذا كتبنا له أمثال هذه الكلمات بحروف لغته فقرأها كما ذكر فلن يستقيم لسانه طول عمره.

ولو أجاز المسلمون هذا للرومان والفرس والقبط والبربر والإفرنج وغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام لعلة العجز لكان لنا اليوم أنواع من القرآن كثيرة ولكان كل شعب من المسلمين لا يفهم قرآن الشعب الآخر.

وإذا كانت الحروف الأعجمية التي يراد كتابة القرآن بها مما تتأدى بها القراءة على وجهها من غير تحريف ولا تبديل كحروف اللغة الفارسية مثلاً، ففي المسألة تفصيل والذي نقطع به أن الكتابة بخطها لا تكون إخلالاً بأصل الدين ولا تلاعبًا به وإن هو خالف الخط العربي، فالفرق بين الخط العربي والخط الكوفي أبعد من الفرق بين الخطين العربي والفارسي ونرى علماء المذاهب متفقين على هذه الخطوط كلها ولكنهم يعتدونها عربية. وإذا قيل: إنها مختلفة اختلافًا لا يكفي لمتعلم أحدها أن يقرأ الآخر كالكوفي والفارسي – نقول: قصارى ما يدل عليه ذلك أن كل خط جائز بشرطه، ولكن عندنا ما يدل على أنه ينبغي الاتفاق علي خط واحد. فهم المسلمونهذا من روح الإسلام فكانوا متحدين في كل عصر على كتابة القرآن بخط واحد يتبع فيه رسم المصحف الإمام لا يتعدى إلا إلى زيادة في التحسين والإتقان. ذلك من آيات حفظ الله له وهو عندي واجب فإن القرآن هو الصلة العامة بين المسلمين والعروة الوثقى التي يستمسك بها جميع المؤمنين. ومن التفريط فيه أن يفد المسلم القارئ على مصر قادمًا من الصين فلا يستطيع القراءة في مصاحفها، وكذا يقال في سائر الشعوب وتصريح كثير من الأئمة بأن خط المصحف توقيفيوأنه لا يجوز التصرف فيه يؤيد ما ذهبنا إليه.

ولقائل أن يقول: إن في هذا الرأي تضييقًا على نشر القرآن وتوسيع دائرة الدعوة إلى الإسلام، وإننا نرى النصارى قد ترجموا أناجيلهم إلى كل لغة، وكتبوها بكل قلم، حتى إنهم ترجموا بعضها بلغة البرابرة. فما بال المسلمين يضيقون وغيرهم يتوسعون؟

ولنا أن نقول في الجواب: إننا جوَّزنا ترجمة القرآن لأجل الدعوة عند الحاجة إلى ذلك ولا شك أن الترجمة تكتب باللغة التي هي بها؛ ولكن المسلم الذي يقرأ القرآن بالعربية لا يحتاج إلى كتابته بحروف أعجمية إلا في حالةواحدة وهي تسهيل تعليم العربية على أهل اللسان الأعجمي الذين يدخلون في الإسلام وهم قارئون كاتبون بحروف ليست من جنس الحروف العربية.

وإذا وجد للإسلام دعاة يعملون بجد ونظام كالدعاة من النصارى فلهم أن يعملوا بقواعد الضرورات ككونها تبيح المحظورات وكونها تتقدر بقدرها. فإذا رأوا أنه لا ذريعة إلى نشر القرآن واللغة العربية إلا بكتابة الكلام العربي بحروف لغة القوم الذين يدعونهم إلى الإسلام ويدخلونهم فيه فليكتبوه به ماداموا في حاجة إليه ثم ليجتهدوا في تعليم من يحسن إسلامهم الخط العربي بعد ذلك ليقووا رابطتهم بسائر المسلمين.

وكما يعتبر هذا القائل بترجمة القوم لكتبهم فليعتبر بحرص الأمم الحية منهم على لغاتهم وخطوطهم. اللغة الإنكليزية أكثر اللغات شذوذًا في كلمها وخطها ونرى أهلها يحاولون أن يجعلوها لغة جميع العالمين وهم يبذلون في ذلك العناية العظيمة والأمور الكثيرة فما لنا لا نعتبر بهذا؟!

 

________________________

مجلة المنار ـ المجلد [‌ 6 ] الجزء ‌7 ، ص ‌ 274، غرة ربيع الثاني 1321 ـ 27 يونيو 1903م