السؤال:

قبل بضعة سنوات استأجرت الجماعة صالة لإقامة الصلاة والأنشطة التعليمية لخدمة الجالية في المدينة، وفورا تم ضبط اتجاه القبلة بواسطة العديد من البوصلات، وأقيمت الصلوات على هذا الأساس لمدة أسبوع تقريبا، وبما أن الاتجاه الذي أشارت إليه البوصلات غير متواز مع جدار المصلى أفتى إمام الجماعة آنذاك (خريج شريعة) ومعه الإدارة، بجواز (أو أفضلية) تغيير الاتجاه بحيث تصبح الصفوف متوازية مع الجدار الطويل للصالة، وبالتالي يكون مقدار الانحراف عن الاتجاه المضبوط بحدود (30) درجة أو يزيد، مستدلين بما يلي: 1- قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}البقرة:115. 2- قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : "بين المشرق والمغرب قبلة. 3- ضرورة احتواء الصف الأول لأكبر عدد من المصلين. وفعلا تم تغيير الاتجاه، ورسمت خطوط الصفوف على الأرض بشكل مواز للجدار، ولا زالت على وضعها حتى هذا الحين، وكلما نادى بضرورة الالتزام بالأصل اعترض عليه بأن الفتوى بذلك موجودة، وأن طرح هذه المسألة أمام المصلين الجدد الذين لا علم لهم بها إنما هو اختلاق للفتنة! ما حكم الشرع بوضعنا هذا؟ ماذا نفعل؟ أفيدونا.؟ .

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:

الأخ الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أكرمك الله تعالى وجعلك ممن يتحرون الحق ، ويعملون به.

القبلة من شروط صحة الصلاة ، وعلى المسلم أن يتحرى القبلة ، ويتجه إليها ، وعلى أئمة المساجد حث الناس عليها ، والالتزام بها ، ومن جهل القبلة واجتهد صحت صلاته ، أما من عرف القبلة الصحيحة وأصر على عدم الصلاة إليها فلا تصح صلاته .

جاء في فتاوى المجمع الفقهي الأوربي للإفتاء والبحوث :

الاتجاه إلى القبلة ـ الكعبة البيت الحرام ـ في الصلاة: فريضة من فرائض الصلاة بإجماع المذاهب واتفاق الأئمة.

والأصل في ذلك قول الله تعالى:{ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} البقرة: 149

وقد اهتم المسلمون من قديم بتحديد جهة القبلة، ووضعوا لذلك علامات وإشارات وفي عصرنا اخترعوا (بوصلات) وساعات، يحملها الإنسان في يده، وتعين له القبلة في أي مكان في العالم.

وإذا استطاع المسلم أن يحدد القبلة بدقة، فلا يجوز له أن ينحرف عنها عمدًا بلا عذر، وخصوصًا في المساجد، لأن القبلة فيها تبقى على الدوام، فلهذا يحرص المسلمون على التحري والمبالغة في التدقيق، حتى لا يحدث خطأ، يترتب عليه إضاعة القبلة على أهل المسجد إلى ما شاء الله.

وقد رأينا المسلمين الذين يخصصون حجرات أو قاعات للصلاة في الدوائر الحكومية، أو في المطارات أو المدارس ونحوها ـ مما لم يبن في الأصل مسجدًا ـ ولم تكن مستقيمة على القبلة: رأيتهم يرسمون خطوطًا، أو يضعون خيوطًا، تحدد جهة القبلة تمامًا، وإن كانت غير موازية لجدار المكان. وهكذا رأيت الأخوة في أمريكا وأوربا إذا اشتروا كنيسة يخططونها صفوفًا على القبلة.

ولهذا نستغرب من عمل الأخوة في هذا المسجد، حيث أقروا الانحراف عن القبلة بأكثر من ثلاثين درجة، بصفة دائمة، لا لشخص واحد، ولا لصلاة طارئة.

وما استدل به الأخوة مردود عليه. ولا يصمد للنقد.

فقوله تعالى:{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} البقرة: 115

هذه الآية نزلت بعد الهجرة تسلية للرسول وأصحابه، الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، كما قال ابن كثير في تفسيرها. وقال آخرون: إنما أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، ثم نسخها الأمر المتكرر بالتوجه شطر المسجد الحرام في نفس السورة.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية إذنًا من الله أن يصلي المتطوع المسافر على راحلته، حيث توجه من شرق أو غرب. وفي حال المسايفة (القتال المباشر) وشدة الخوف.

وقال غيرهم: هذه الآية نزلت فيمن اشتبهت عليه القبلة، كمسافر في حالة الغيم، ولم يجد دليلاً ولا علامة تهديه إليها، فصلى بالاجتهاد. كما فعل الصحابة في بعض الحالات، فهؤلاء يقال لهم:{أينما تولوا فثم وجه الله}.

وحديث (ما بين المشرق والمغرب قبلة) ـ إن صح ـ معمول به حينما يكون الإنسان في الصحراء، أو في مكان لا تعرف فيه القبلة على وجه الدقة. والحديث مذكور لأهل المدينة ومن على سمتهم حيث القبلة في جهة الجنوب. وأهل اليمن على عكسهم: القبلة في جهة الشمال.

على أن الحديث لم يجئ من طريق صحيح سالم من الكلام فيه، والذين صححوه إنما صححوه بكثرة طرقه، وإن كان كل طريق منها على حدة لا تقوم به الحجة .

وأما الاستدلال بضرورة احتواء الصف الأول لأكبر عدد من المصلين، فلم يقل بذلك أحد، وليس معقولاً أن يحتوى صف واحد على أكبر عدد، ولعل المقصود أن تكون مساجد المسلمين عريضة لا طويلة، ولكن هذا عندما نبني مسجدًا، أما إذا حولنا مكانًا ما إلى مسجد، فظروفه هي التي تحكمنا.

ولا نعرف فقيهًا واحدًا أجاز الانحراف عن القبلة عمدًا وقصدًا، مع معرفتها لتحديد جهتها بدقة، وفي جميع الصلوات، وعلى وجه الدوام. قد يجوز هذا لبعض الأفراد، في بعض الأحوال، لبعض الأعذار، وخصوصًا إذا كان الانحراف قليلاً.

أما أن يكون هذا في مسجد، وتقر فيه القبلة على الخطأ عمدًا، ومن غير عذر، فهذا لا يجوز بحال. وطالما صلينا وراء أئمة معتبرين يقولون للمصلين خلفهم: القبلة إلى اليمين قليلاً، أو إلى اليسار قليلاً، حرصًا على إقامة هذه الفريضة التي هي من شرائط صحة الصلاة.

فعلى الإخوة في هذا المسجد أن ينتهوا عن هذا الخطأ، ويستغفروا الله، ولا يعودوا لمثله بعد هذا الجواب. ولو استمروا على الخطأ وتمادوا في ذلك فصلاتهم باطلة.

والله أعلم .


الوسوم: , ,