السؤال:

رجل يعمل في مطعم، والمطعم يقدم الخمر لرواده، وصاحب المطعم رجل مسلم يزعم بأنه يصلى ولا يشرب الخمر، إلا أنه يقدمه لزبائنه غير المسلمين، وبعض من يخدمون عنده هم من المسلمين. فما حكم الشريعة المطهرة في تقديم الخمر من قبل مسلم لزبائن غير مسلمين؟ وهل تجيز الشريعة المطهرة للمسلم بأن يفتح مطعما يقدم فيه الخمر ولحم الخنزير لزبائن غير مسلمين؟ وهل ما يكتسبه من مال حلال في نظر الشريعة المطهرة؟ وجزاكم الله خيرا.  

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فلا يجوز للمسلم أن يتكسب من بيع الخمر حتى ولو كان المشتري غير مسلم، وليست الإقامة في غير ديار الإسلام مغيرة لحكم حرمة الخمر، أما ما ذهب إليه الحنفية من جواز التعامل بالعقود الفاسدة في ديار غير المسلمين فهو قول مرجوح لا ينهض أمام الأدلة الصحيحة التي قال بموجبها جمهور الفقهاء بتحريم هذه العقود، فضلا عن ما تتضمنه من المآلات الوخيمة.

يقول أ.د. صلاح الصاوي أمين مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية:
 لقد تقرَّر في الشريعة المطهرة أن الخمر أم الخبائث، وأن مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن، ولم تكتف الشريعة المطهرة في أمر الخمر بالنص على التحريم ، بل أمرت بمطلق اجتنابها، وهو أمر يتجاوز مجرد تعاطيها ليشمل كل صور التعامل بها أو الاقتراب منها بأي وجه من الوجوه ، فقال تعالى  آمرا باجتنابها، ومشيرا إلى طرف من الحكمة في هذا التشريع:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ”  [ المائدة: 90، 91]

وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ شرب الخمر لا يجتمع مع الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم: « لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن »[متفق عليه]
  وقال عثمان رضي الله عنه : ( اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد، ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جارية أن تدعوه لشهادة، فلما دخل معها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضي إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع على، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر! فسقته كأسا فقال : زيدوني! فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه.(

وبيَّنت السنة المطهرة ضابط التحريم في هذا المجال، فقـال صلى الله عليه وسلم  فيما يرويه عنـه ابن  عمـــر: « كل مسكر خمر، وكل خـمر حرام » [رواه مسلم ]، وعن عائشة قالت: سئل رسول الله عن البتع، فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام » [ متفق عليه ] . وعن أبي الجويرية قال: سألت ابن  عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد الباذق، فما أسكر فهو حرام  [رواه البخاري ] فالباذق[وهو العصير يطبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه ويصير مسكرا ] لم يكن في عهد رسول الله، ولكن قاعدة تحريم المسكرات تشمله، ولا عبرة باختلاف الأسماء، وأكَّد على هذا الضابط، وبين سوء المآل الذي ينتظر من يشرب المسكر فيما رواه جابر أن رجلا قدم من جيشان – وجيشان من اليمن – فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر، فقال النبي  « أو مسكر هو؟ » قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل مسكر حرام، إنَّ على الله عز وجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال » قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال: « عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» [ رواه مسلم ] وفيما رواه ابن  عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربهـا في الآخرة » [ رواه مسلم ]
 ونهي عن صناعتها للتداوي، وأخبر أنها داء وليست بدواء، فقد روي مسلم عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها  فقال: إنما أصنعها للدواء ؟! فقال: إنه ليس بدواء ولكـنه داء . »
وكما نهت الشريعة المطهرة عن شربها فإنها نهت عن بيعها، وبينت أن الذي حرم شربها حرم بيعها،فقد روي مسلم عن ابن  عباس أن رجلا أهدي لرسول الله  صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسول الله  صلى الله عليه وسلم: « هل علمت أن الله قد حرمها ؟ » قال: لا، فسار إنسانا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بم ساررته ؟ » فقال : أمرته ببيعها، فقال: « إن الذي حرم شربها حرم بيعها » قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها » [ رواه مسلم ] ، وعن عائشة رضي الله عنها: لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « حرمت التجارة في الخمر » [ رواه البخاري ]، وروى البخاري عن ابن  عباس قال: بلغ عمر رضي الله عنه أن فلانا باع خمرا، فقال: قاتل الله فلانا ! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها » [ متفق عليه ] ومعني جملوها أي أذابوها.
هذا وقد لعن الله في الخمر عشرة : عاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشترى لها، والمشتري له ، فكل من اقترب من الخمر بوجه من الوجوه فهو داخل في هذه اللعنة، ولو كان بمجرد الجلوس على موائدها بغير شرب، فإن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر.
وعلى هذا فإن من تلبيسات الشيطان على بعض من استذلهم ما يزينه لهم من الترخص في بيع الخمر لغير المسلمين وادعاء مشروعية ذلك، أو الاعتذار عنه بعدم تناولها في خاصة أنفسهم، وأنهم من المحافظين الذين يقيمون الصلاة! تماما كما تأول أحد الناس في زمن عمر شربه للخمر بأنه لا جناح عليه في ذلك مادام من المتقين الذين يعملون الصالحات! ذهابا منه إلى فهم مغلوط في قوله تعالى :” لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ” المائدة : 93] فبين له عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطأه في ذلك، وقال له : لو اتقيت الله ما شربت الخمر.
 إنَّ تحريم الخمر في القرآن والسنة تحريم مطلق لا تقييد فيه، وإن الجرم في بيعها لغير المسلمين كالجرم في بيعها للمسلمين، بل قد يكون أشنع باعتباره يمثل صدا للناس عن سبيل الله عندما يرون من المسلمين جرأة على دينهم، واستباحة ظاهرة لمحرماته وهجرا منكرا لشرائعه وأحكامه.
والله أعلم.