السؤال:

ما خو حكم الشرع في الرسم الكاريكاتيري؟

الجواب:

الرسم الكاريكاتيري من وسائل التعبير عن الرأي بصورة مضحكة، وهو جائز إن أحسن استخدامه، ولا حرج في مزاولة هذا اللون من الفن مع ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية الآتية:
1-عدم المساس بالدين والعقيدة.
2-أن يكون القصد هو النقد البناء، وليس السخرية والتشهير.
3-عدم جواز استخدام النصوص القرآنية والنبوية في التعليقات.
4-ألا يتضمن الرسم، أو التعليق عليه ما يخالف الأحكام الشرعية، فيجب تجنب ما فيه إثارة للفاحشة وكل ألوان البذاءة والسب.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
لا يجوز السخرية من فرد معين لأن الله تعالى قال (يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن)، ولكن إذا كانت السخرية بمثل الرسم الكاريكاتيري تحمل نقداً لفكرة باطلة أو لوضع ظالم أو لسلوك منحرف فلا مانع من ذلك باعتباره أداة من أدوات التوجيه، ولكن في حدود الأدب الإسلامي العام وبقدر الحاجة.

ويقول فضيلة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء:
الكاريكاتير الهازل فنّ جديد تستعمله أكثر صحف العالم. وهو يقوم على أمرين:
الأول: صورة لإنسان معيّن، يكون عادة من المسؤولين أو من المشهورين، تضخّم فيها العلامات المميّزة لهذا الإنسان (فالقصير يزداد قصره، والسمين يزداد سمنة، وصاحب الأنف الطويل أو الأعوج يزداد أنفه طولاً أو عوجاً، وصاحب الرأس الكبير يصبح رأسه أكبر من جسمه، وهكذا ..)
الثاني: التعليق الذي يلفت النظر عادة إلى خطأ معيّن قام به هذا الإنسان أثناء ممارسة مسؤوليّاته.

والنظر الشرعي يتناول الأمرين معاً. وإنّي ألخّص رأيي في هذه المسألة بالنقاط التالية، راجياً من الله السداد:
1 – إنّ النهي الشرعي المذكور في الآية الكريمة ـ قوله تعالى ( يا أيّها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهنّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب. بئس الاسمُ الفسوقُ بعدَ الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون )
الحجرات 11 يتعلّق بالسخرية من شخص معيّن، أمّا الكاريكاتير الذي تناول جهة اعتبارية كمؤسسة أو جمعية أو وزارة أو أيّ شخص اعتباري، فهو لا يدخل تحت هذا النهي، لكنّه قد يكون حراماً من جهة أخرى، كما لو كان النقد الموجّه إلى هذه الجهة يتضمّن كذباً أو غير ذلك من الأمور المنهي عنها.

2 – إذا كان الكاريكاتير الصحفي الهازل يتضمّن رسم إنسان معيّن مع تضخيم علاماته المميّزة، فذلك جائز بشرطين:
الأول: أن لا يقصد الرسّام ذمّ هذا الإنسان أو تعييره بهذه العلامات، إنّما يقصد مجرّد الوصف.
وقد سئل عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصفر، فقال: إذا أردت صفته ولم ترد عيبه فلا بأس .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع يقبّل الحجر، وفي رواية الأصيلع. والأصل في هذا الشرط الحديث الصحيح المشهور: (إنّما الأعمال بالنيّات ..)

الثاني: أن لا يتأذّى ذلك الإنسان برسم صورته الكاريكاتيرية، لأنّ إيذاء المسلم لأخيه منهي عنه. وقد وضع الإمام القرطبي المفسّر ضابطاً (للتنابز بالألقاب المنهي عنه) فقال: “إنّ كلّ ما يكرهه الإنسان، إذا نودي به، فلا يجوز، لأجل الأذيّة”، وأيّ رسم كاريكاتيري يكرهه صاحبه هو غير جائز؛ لأنّه يؤذيه.

3 – أمّا التعليق الذي يذكر عادة تحت الرسم الكاريكاتيري، فهو كلام لا بدّ أن يكون منضبطاً بالقواعد الشرعية، فلا يجوز الكذب، ولا الافتراء، ولا إشاعة الفاحشة، ولا الدعاية للمحرّمات والمنكرات، وغير ذلك كثير، وهو معروف لا نستطيع هنا ذكره.

4 – ويجدر بنا هنا التفريق بين المواطن العادي، وبين الإنسان المسؤول. فأعمال المسؤول تتناول مصالح الناس، ويجب أن تكون معروفة حتىّ يمكن نقدها، وبيان الخطأ أو المنكر فيها، هذا الأمر لا يدخل في الغيبة المحرّمة، وكما يجوز ذكره كخبر مع التعليق، يجوز ذكره بالصورة الكاريكاتيرية مع التعليق، ضمن الضوابط الشرعية المعروفة.

ويقول فضيلة الدكتور حسام عفانة – أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- :
الرسم الساخر المعروف بالكاريكاتير من الأمور المشهورة في الصحافة بحيث لا تكاد تخلو منه صحيفة أو مجلة، ويقدم رسام الكاريكاتير الأحداث والأشخاص بقالب نقدي، أو حالة هزلية مضحكة، وهو وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي إن أحسن استخدامه، ولكن الواقع والمشاهد في الصحافة المحلية والعربية أن بعض رسامي الكاريكاتير يطلقون العنان لرسوماتهم فنراهم يسخرون من بعض الأمور الدينية ويستهزئون ببعض الناس وبعضهم قد يرسم النساء في صور لا تقرها الشريعة الإسلامية كما أن بعضهم قد يستخدمون الآيات القرآنية بطريقة تنطوي على السخرية والاستهزاء .

ولا بد من وضع الضوابط لرسم الكاريكاتير وأهمها عندي:

أولاً: لا ينبغي أن يكون المقصد من الكاريكاتير السخرية، والتشهير بل لا بد أن يكون المقصد منه هو النقد البناء والإصلاح، فالسخرية بالأشخاص من الأمور الممنوعة شرعاً يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) سورة الحجرات الآية 11. وقال تعالى: ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) سورة الهمزة الآية 1.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) رواه مسلم في صحيحه.

ثانياً: لا يجوز أن يمس رسم الكاريكاتير بعقيدة الأمة وتحرم السخرية بأمور الدين وقد تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله كالاستهزاء بالصلاة أو باللحية ونحوهما . قال الله تعالى: ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) سورة التوبة الآيتان 65- 66 .

ثالثاً: لا يجوز استخدام النصوص الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في التعليقات الساخرة مع رسم الكاريكاتير لما في ذلك من التلاعب بها وخاصة كلام رب العالمين سبحانه وتعالى الذي يجب احترامه والتأدب معه وصيانته عن كل مالا يليق بل المطلوب من المسلم أن يقرأ كلام الله جل جلاله بتدبر وتفكر. قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية 17.

رابعا: ينبغي أن يكون رسم الكاريكاتير متفقاً في عرضه للأحداث، والأشخاص مع الأحكام الشرعية، والآداب المرعية، فلا تستعمل فيه العبارات البذيئة والألفاظ الخسيسة، ولا تستعمل فيه رسومات للأشخاص بأشكال وأوضاع لا يقرها الشرع الحنيف.