السؤال:

سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر الأوائل من ذي الحجة وسمعت من بعض المشايخ الحث على صيامها فأي القولين هو الصحيح ؟ فهل صوم هذه الأيام سنة أم يكره صومها؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فلا خلاف بين العلماء في تفضيل أيام عشر ذي الحجة على  سائر أيام السنة ، بل إنهم قد اختلفوا في تفضيلها على العشر الأواخر من رمضان ، ومن ثم فإدراك هذا العشر من ذي الحجة نعمة عظيمة يقدّرها حق قدرها الصالحون المشمّرون، ويستحب الإكثار في هذا العشر من جميع القرب والطاعات ومنها الصوم ، فمن وجد من نفسه قدرة واستطاع أن يصومها فليفعل وصوم أيام العشر مستحب.

والحديث الذي روته عائشة –رضي الله عنها- “أنه صلى الله عليه وسلم لم يصم عشر ذي الحجة” محمول على أنه لم يصمها لعارض من مرض أو سفر ، وثمة احتمال آخر وهو أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، فضلا عن أنه ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صوم هذه الأيام.

يقول فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

أبين أولاً فضل العشر الأوائل من ذي الحجة ثم أجيب على السؤال فقد أقسم الله سبحانه وتعالى بهذه العشر فهذا يدل على فضلها العظيم قال الله تعالى: (والفجر وليال عشر) سورة الفجر الآيتان 1 – 2 .
قال القرطبي : ( وليال عشر) أي ليال عشر من ذي الحجة وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله
(وليال عشر) هو عشر ذي الحجة وقال ابن عباس وقال مسروق هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى عليه السلام وأتممناها بعشر وهي أفضل أيام السنة وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (والفجر وليال عشر) قال عشر الأضحى فهي ليال عشر على هذا القول ؛ لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه إذ قد خصها الله بأن جعلها موقفاً لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة ، وإنما نكرت ولم تُعرَّف لفضيلتها على غيرها فلو عرفت لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ، فنكرت من بين ما أقسم به للفضيلة التي ليست لغيرها) تفسير القرطبي 20/39.

وقد وردت عدة أحاديث في فضيلة هذه العشر منها : ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما العمل في أيام أفضل منها في هذه قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء )
وفي رواية للطبراني في الكبـير بإسناد جيد كما قال المنذري :( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير )
وفي رواية للبيهقي في شعب الإيمان قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى ) قيل : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال :( ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) فكان سعيد ابن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه . ذكره المنذري في الترغيب 2/150 . وروى الحديث الدارمي أيضاً وإسناده حسن كما قال الألباني في إرواء الغليل 3/398
وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ). رواه أحمد وصحّح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر .
وفي حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم ( ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة ) رواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما . وغير ذلك من الأحاديث
وقد ذكر أهل العلم أنه يؤخذ من هذه النصوص أن الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام السنة

قال الشيخ ابن كثير : (وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة كما نطق به الحديث وفضله كثير على عشر رمضان الأخير لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وتوسط آخرون فقالوا أيام هذا أفضل وليالي ذاك أفضل وبهذا يجتمع شمل الأدلة) تفسير ابن كثير 3/217 .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني : (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال ) فتح الباري 2/593 .

وقال المباركفوري : (اختلف العلماء في هذه العشر ، والعشر الأخير من رمضان فقال بعضهم : هذه العشر أفضل لهذا الحديث ، وقال بعضهم : عشر رمضان أفضل للصوم والقدر ، والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر ، لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة ، وليلة القدر أفضل ليالي السنة ، ولذا قال ما من أيام ولم يقل من ليال كذا في الأزهار وكذا في المرقاة ) تحفة الأحوذي 3/386 .

وأما ما ذكره السائل من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر فهذا قد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنا قالت : (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط ) وفي رواية ( لم يصم قط ) رواه مسلم وغيره. فقد أجاب عنه العلماء وأنه لا يعارض ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صام العشر .

قال الإمام النووي : ( باب صوم عشر ذي الحجة ) فيه قول عائشة : ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط ) وفي رواية : ( لم يصم العشر) قال العلماء : هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشرة ، والمراد بالعشر هنا : الأيام التسعة من أول ذي الحجة ، قالوا : وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة ، بل هي مستحبة استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها ، وهو يوم عرفة ، وثبت في صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه ) – يعني : العشر الأوائل من ذي الحجة – فيتأول قولها : لم يصم العشر، أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما ، أو أنها لم تره صائماً فيه ، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر ، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ، ويوم عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر : الاثنين من الشهر والخميس)ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما ( وخميسين ) والله أعلم ) شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 251

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني : ( واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل ، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد ، وأجيب بأنه محمول على الغالب ، ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط ) لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضاً ) فتح الباري 2/ 593 .

وقال الشوكاني : ( وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط ) وفي رواية ( لم يصم العشر قط ) فقال العلماء المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أن عدم رؤيتها له صائماً لا يستلزم العدم على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها كما في حديث الباب فلا يقدح في ذلك عدم الفعل )نيل الأوطار 4/324 .
وقال الشوكاني أيضاً : ( وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط ) وفي رواية ( لم يصم قط ) وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم ) الدراري المضية 1/230 .
وبهذا يظهر لنا أنه لا تعارض بين النصوص التي حثت على صوم هذه الأيام وبين حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم لم ير صائماً فيها .

وخلاصة الأمر أنه يسن صوم الأيام التسعة الأوائل من ذي الحجة وخاصة صوم يوم عرفة لغير الحاج وأما صوم يوم العيد فيحرم وينبغي على المسلم أن يكثر من الأعمال الصالحة في هذه الأيام المفضلة شرعاً .

والله أعلم.