السؤال:

ما معنى كلمة التوحيد ؟ وما معنى العبادة ؟

الجواب:

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, هذه العقيدة هي التي تمثل وجهة نظر المسلمين إلى الكون ورب الكون, وإلى الطبيعة وما وراء الطبيعة, والى الحياة وما بعد الحياة, وإلى العالم المنظور والعالم غير المنظور, وبعبارة أخرى: إلى الخلق والخالق, إلى الدنيا والآخرة, إلى عالم الشهادة وعالم الغيب.فهذا الكون بأرضه وسمائه, بجماده ونباته, وحيوانه وإنسانه, وجنه وملائكته …. هذا الكون لم يخلق من غير شئ, ولم يخلق نفسه, فلا بد له من خالق عليم قدير عزيز حكيم, خلقه فسواه, وقد قدر كل شئ فيه تقديراً,فكل ذرة فيه بميزان, وكل حركة فيه بمقدار وحسبان. وذلك الخالق هو الله,الذي تدل كل كلمه بل كل حرف في كتاب الوجود على مشيئته وقدرته, وعلمه وحكمه: ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن, وإن من شئ إلا يسبح بحمده)
هذا الخالق الأعلى هو رب السموات والأرض, رب العالمين, رب كل شيء,واحد أحد لا شريك له في ذاته ولا في صفاته, ولا في أفعاله, فهو وحده القديم الأزلي وهو وحده الباقي الأبدي, وهو وحده الخالق البارئ المصور,له الأسماء الحسنى, والصفات العلا, لا ند له ولا ضد له , ولا ولد له , ولاوالد, ولا شبيه ولا نظير (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) (هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شئ عليم) (ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير) كل ما في هذا الكون العظيم , علويه وسفليه , صامته وناطقه , مدل على أن عقلا واحدا , هو الذي يدبر أمره , ويداً واحدة هي التي تدير رحاه , وتوجه دفته وإلا لاختل نظامه , وافلت زمامه , واضطرب ميزانه , وتهدم بنيانه , تبعاً لما تقضي به الضرورة من اختلاف العقول المتباينة التي توجه , واختلاف الأيدي المتعددة التي تحرك . . وصدق الله العظم إذ يقول ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ,فسبحان الله رب العرش عما يصفون) وقال جل شأنه : ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله , إذ لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض , سبحان الله عما يصفون )ويقول : ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا ) .
فالحقيقة التي لا مراء فيها: أن كل من فى السموات ومن في الأرض عبيد له, وكل ما في السموات والأرض ملك له, فليس أحد ولا شئ من العقلاء أو من غير العقلاء شريكا له, أو ولدا له, كما يقول الوثنييون وأشباه الوثنيين، (وقالوا اتخذ الله ولداً، سبحانه، بل له ما في السموات وما في الأرض، كل له قانتون، بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)ومن ضل عن هذه الحقيقه في الدنيا فسيكشف عنه الغطاء في الآخرة , ويرى الحقيقة عارية واضحة وضوح الشمس في الضحى: ( إن لكل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عداً ،وكلهم آتية يوم القيامة فرداً ) فلا عجب بعد ذلك أن يكون هذا الخالق العظيم, وهذا الرب الأعلى هو وحده الذي يستحق العبادة والطاعة المطلقة, وبعبارة أخرى: ( يستحق غاية الخضوع وغاية الحب, فالمعنى المركب من الخضوع كل الخضوع , الممزوج بالحب كل الحب, هو الذي نسميه العبادة ).
وهذا هو معنى( لا إله إلا الله ) أي لا يستحق العبادة غيره .. أو لا يستحق كل الخضوع وكل الحب إلا هو..فهو وحده الذي تخضع لأمره الرقاب, وتسجد لعظمته الجباه, وتسبح بحمده الألسنة , وتقاد لحكمه القلوب والعقول والأبدان.وهو وحده الذي تتجه إليه الأفئدة بالحب كل الحب , فهو المتفرد بالكمال كله,والكمال من شأنه أن يحب ويحب صاحبه, وهو مصدر الجمال كله, وما في الوجود من جمال فهو مستمد منه, والجمال من شأنه أن يحب ويحب صاحبه ,وهو واهب النعم كلها, ومصدر الإحسان كله ( وما بكم من نعمة فمن الله )والإحسان دائما يحب والنعمة دائماً تحب ويحب صاحبها.
معنى « لا إله إلا اله » هو رفض الخضوع والعبودية لسلطان غير سلطانه,وحكم غير حكمه وأمر غير أمره, ورفض الولاء إلا له, والحب إلا له وفيه .
وإذا أردنا أن نزيد هذا المعنى إيضاحا قلنا: إن عناصر التوحيد كما جاء بهاالقرآن الكريم, ثلاثة ذكرتها سورة الأنعام, وهى سورة عنيت بتثبيت أصول التوحيد :أولها: ألا تبغي غير الله رباً: (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شئ).
وثانيها: ألا تتخذ غير الله ولياً : (قل أغير الله اتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولايطعم).
وثالثها: ألا تبتغي غير الله حكماً: (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً)
أما معنى العبودية فيقول فيها الشيخ المنجد
عبودية المسلم لله عزّ وجلّ هي التي أمر بها سبحانه في كتابه وأرسل الرسل لأجلها كما قال تعالى ( ولقد أرسلنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) النحل – 36
والعبودية في اللغة مأخوذة من التعبيد تقول عبّدت الطريق أي ذللته وسهلته ، وعبودية العبد لله لها معنيان عام وخاص ، فإن أريد المُعبّد أي المذلل والمسخر فهو المعنى العام ويدخل فيه جميع المخلوقات من جميع العالم العلوي والسفلي من عاقل وغيره ومن رطب ويابس ومتحرك وساكن وكافر ومؤمن وبَرٍّ وفاجر فالكل مخلوق لله عز وجل مسخر بتسخيره مدبر بتدبيره ولكل منهم حدٌّ يقف عنده .

وإن أريد بالعبد العابد لله المُطيع لأمره كان ذلك مخصوصا بالمؤمنين دون الكافرين لأن المؤمنين هم عباد الله حقا الذين أفردوه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ولم يشركوا به شيئاً . كما قال تعالى في قصّة إبليس : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ . سورة الحجر
أما العبادة التي أمر الله بها فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة والبراءة مما ينافي ذلك فيدخل في هذا التعريف الشهادتان والصلاة والحج والصيام والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله والملائكة والرسل واليوم الآخر وقوام هذه العبادة الإخلاص بأن يكون قصد العابد وجه الله عز وجل والدار الآخرة قال تعالى { ويتجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) الليل 17-21.
فلا بد من الإخلاص ثم لا بد من الصدق : بأن يبذل المؤمن جهده في امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه والاستعداد للقاء الله تعالى وترك العجز والكسل وإمساك النفس عن الهوى كما قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } التوبة 119.
ثم لا بد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيعبد العابد الله تعالى بوفق ما شَرَع عزّ وجلّ لا بحسب ما يهوى المخلوق ويبتدع وهذا هو المقصود باتّباع النبي المرسل من عند الله محمد صلى الله عليه وسلم فلا بد من الإخلاص والصدق والمتابعة فإذا عُرفت هذه الأمور تبين لنا أن كل ما يضاد هذه التعاريف فهو من العبودية للناس فالرياء هو عبودية للناس والشرك هو عبودية للناس وترك الأوامر وإسخاط الرب مقابل رضى الناس عبودية للناس وكلّ من قدّم طاعة هواه على طاعة ربه فقد خرج عن مقتضى العبودية وخالف المنهج المستقيم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وتعس عبد الخميصة وتعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش .
والعبودية لله تجمع وتتضمن المحبة والخوف والرجاء فالعبد يحبّ ربّه ويخاف عقابه ويرجو رحمته وثوابه فهذه أركانه الثلاثة التي لا تقوم إلا بها .
والعبودية لله شرف وليست مذلّة كما قال الشاعر :
ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا