السؤال:

هناك بنوك إسلامية تعطي فوائد كبيرة في الربح فهل يجوز لي أخذها أو الأفضل الزهد فيها و التورع عنها ؟ و شكراً

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد: –

الأخت الفاضلة:-

أولا:- العبرة في النهاية ليست بالأسماء، ولكن بطريقة التعامل، فإذا كانت المعاملة صحيحة فهي جائزة سواء أكانت في بنك إسلامي أو ربوي، وإذا شاب المعاملة شيء فهي محرمة سواء تمت في البنوك الإسلامية أو الربوية .

ثانيا : البنك الإسلامي لا يقوم بإقراض الناس بفائدة، ولكنه يتعامل معهم من خلال عقود مشروعة .. أبرزها بيع المرابحة للآمر بالشراء . واعلم أن البنوك الإسلامية تختلف عن البنوك الربوية في طبيعة تعاملاتها مع الناس، فالبنوك الإسلامية لا تقرض، ولكنها تبيع بالمرابحة ، وأنا معك أن ما تتقاضاه في مقابل تقسيط سلعة المرابحة أكثر من الفائدة إذا ما قورن بها.

وذلك له سبب، وهو أن عنصر المخاطرة في البنوك الإسلامية أكبر وأعظم من البنوك الربوية ، فالبنك الربوي حينما يماطل عميله في السداد فإنه يلجأ إلى مضاعفة الفائدة حتى يقضي ما عليه ، فتعثر عميله لا يعود عليه بأي نوع من الضرر.

وأما البنك الإسلامي فإنه لا يستطيع أن يضع غرامة تأخير على مدينه المماطل فضلا عن المتعثر، ولذلك يتضرر عند المماطلة ، وهذا هو ما يجعله يزيد في ربحه نظرا لزيادة عنصر المخاطرة .
وعليه فلا يجوز لكم اللجوء إلى الربا، واحمدوا  الله أن يسر لكم بنكا إسلاميا في بلدك بل بنوكا، فكثير من البلاد الإسلامية مثل ( ليبيا، وتونس ، وسوريا ) لا يوجد فيها بنوك إسلامية

ثالثا :- إذا أراد البنك الربوي هذا أن يبيع لك السيارة عن طريق ببيع المرابحة، فلهذا البيع خطوات لا بد أن تمر من خلالها حتى تكون الصورة مشروعة، وإلا كانت مجرد تمويل ربوي.

وإليك هذه الخطوات كما ذكرها الدكتور حسام الدين عفانه- أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس-:-

إن بيع المرابحة للآمر بالشراء لا بد أن يتم بإتمام الخطوات التالية:-

أ- طلب من العميل يقدمه للمصرف الإسلامي لشراء سلعة موصوفة.

ب- قبول من المصرف لشراء السلعة الموصوفة.

ج- وعد من العميل لشراء السلعة الموصوفة من المصرف بعد تملك المصرف لها.

د- وعد من المصرف ببيع السلعة الموصوفة للعميل وقد يكون الوعد لازماً أو غير لازم كما سيأتي بيانه.

هـ- شراء المصرف للسلعة الموصوفة نقداًَ.

و- بيع المصرف للسلعة الموصوفة للعميل بأجل مع زيادة ربح متفق عليها بين المصرف والعميل.

فإذا قبل البنك بأن يبيع لك السيارة مرورا بهذه الخطوات فلا مانع من ذلك شرعا إسلاميا كان البنك أو غيره.

والذي نحب أن نبينه لك الآتي أن هذه الخطوات لا بد أن تكون مرتبة، وليس شرطا أن تتم من خلال عقود مكتوبة، فلا مانع من المرور بها شفويا، على أن تكون الخطوة الأخيرة هي بيع السيارة بعد أن يتملكها البنك بالفعل.
فإذا أعطاك البنك المال بيدك على أن تشتري به السيارة التي تريد فهذا لا يجوز، ويكون صورة ربوية.

غير أنه يجوز أن يوكلك البنك في شراء السيارة لصالح البنك بعقد وكالة، وبعد أن تشتريها لصالح البنك تأتي وتحضرها للبنك، وبعد ذلك يقوم البنك ببيعها لك بعد أن تكون قد اشتريتها أنت بالوكالة عنه، وهذه الصورة يجوزها بعض الفقهاء غير أننا لا ننصح بها، ولا ندعو إليها لما فيها من معنى الصورية .

رابعا:- يجب أن تكون هذه الأرباح المئوية غير منصوص عليها بالعقد مفصولة عن الربح، ولكن لا مانع من أن تتفاهم مع مندوب البنك بهذه الطريقة دون أن يسجل ذلك في العقد، أعني أن حساب الربح بالنسبة المئوية لا شيء فيه شرعا، بشرط أن يتفق البنك والبائع على مدة زمنية معينة للتقسيط عند التعاقد، ولا يتركا ذلك للمشيئة والظروف بعد العقد.

فإذا قال لك البنك : أريد أن أربح في الشهر كذا، واقض كيف شئت فعليك أن تختار من هذه اللحظة المدة الزمنية، ولا يجوز تعديلها بعد العقد، وإلا كان الأمر مجرد صورة ربوية .
خامسا :- يبدو أنك تنظر إلى الربح الزائد الذي حدده البنك باعتباره حراما رابطا بين الحرمة والزيادة الفاحشة، وهذا خطأ، فالربح جائز طالما أنه يتم بالتراضي بالغا ما بلغ، والربا حرام حتى لو كان فلسا واحدا .
وأما عن تضمن العقد شرط الغرامة عند التأخير ، فهو شرط فاسد؛ لأن هذا هو الربا، وبعض الفقهاء يجيز الدخول للمضضطر في هذا الشرط إذا كان عازما قادرا على عدم الوقوع فيه ، ولكن الجمهور يرفض ذلك ، ولذلك حرم مجمع الفقه الإسلامي بطاقات الائتمان غير المغطاة حتى لو كان صاحب البطاقة عازما على عدم الوقوع في الغرامة.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي مبينا مسألة بيع المرابحة في صورة مثال عملي :-

أريد أن أصور المسألة تصويراً مبسطاً في صورة واقعة عملية ، ليمكن إصدار الحكم فيها بعد تصورها .
ذهب زيد من الناس إلى المصرف الإسلامي و قال له : أنا صاحب مستشفى لعلاج أمراض القلب ، و أريد شراء أجهزة حديثة متطورة لإجراء الجراحات القلبية ، من الشركة الفلانية بألمانيا أو بالولايات المتحدة .
و ليس معي الآن ثمنها ، أو معي جزء منه و لا أريد أن ألجأ إلى البنوك الربوية لأستلف عن طريقها ما أريد و أدفع الفائدة المقررة المحرمة ، فهل يستطيع المصرف الإسلامي أن يساعدني في هذا الأمر دون أن أتورط في الربا ؟ هل يستطيع المصرف أن يشتري لي ما أريد بربح معقول على أن أدفع له الثمن بعد مدة محددة ، فأستفيد بتشغيل مستشفاي ، و يستفيد بتشغيل ماله ، و يستفيد المجتمع من وراء ذلك التعاون ؟
قال مسئول المصرف : نعم يستطيع المصرف أن يشتري لك هذه الأجهزة بالمواصفات التي تحددها ، و من الجهة آلتي تعيَّنها ، على أن تربحه فيها مقداراً معيناً أو نسبة معينة ، و تدفع في الأجل المحدد ، و لكن البيع لا ينعقد إلا بعد أن يشتري المصرف الأجهزة المذكورة و يحوزها بالفعل بنفسه أو عن طريق وكيله ، حتى يكون البيع لما ملكه بالفعل ، فكل ما بين المصرف و بينك الآن تواعد على البيع بعد تملك السلعة و حيازتها .
قال العميل : المصرف إذن هو المسئول عن شراء الأجهزة المطلوبة و دفع ثمنها و نقلها و شحنها ، و تحمل مخاطرها ، فإذا هلكت هلكت على ضمانه و تحت مسئوليته ، و إذا ظهر فيها عيب بعد تسلمها يتحمل تبعة الرد بالعيب ، كما هو مقرر شرعاً .
قال المسئول : نعم بكل تأكيد . و لكن الذى يخشاه المصرف أن يحقق رغبتك ، و يجيبك إلى طلبك بشراء الأجهزة المطلوبة ، فإذا تم شراؤها و إحضارها ، أخلفت وعدك معه . و هنا قد لا يجد المصرف من يشتري هذه السلعة منه لندرة من يحتاج إليها ، أو قد لا يبيعها إلا بعد مدة طويلة ، و في هذا تعطيل للمال ، و إضرار بالمساهمين والمستثمرين الذين ائتمنوا إدارة المصرف على حسن تثميرها لأموالهم .
قال العميل صاحب المستشفى : إن المسلم إذا وعد لم يخلف ، و أنا مستعد أن أكتب على نفسي تعهداً بشراء الأجهزة بعد حضورها بالثمن المتفق عليه الذى هو ثمن الشراء مع المصاريف و الربح المسمى مقداراً أو نسبة كما أني مستعد لتحمل نتيجة النكول عن وعدي ، لكن ما يضمن لي ألا يرجع المصرف عن وعده إذا ظهر له عميل يعطيه أكثر ، أو غلت السلعة المطلوبة في السوق غلاء بيناً ؟
قال المسئول : المصرف أيضاً ملتزم بوعده ، و مستعد لكتابة تعهد بهذا ، و تحمل نتيجة أي نكول منه .
قال العميل : اتفقنا .
قال المسئول : إذن نستطيع أن نوقع بيننا على هذا ، في صورة طلب رغبة و وعد منك بشراء المطلوب ، و وعد من المصرف بالبيع . فإذا تملك المصرف السلعة و حازها وقعنا عقداً آخر بالبيع على أساس الاتفاق السابق .
هذه هي الصورة آلتي اشتهر تسميتها باسم (بيع المرابحة للآمر بالشراء ) و هي التي ثار حولها الجدل ، و كثر القيل و القال .
و هذه الصورة إذا حللناها إلى عناصرها الأولية ، نجدها مركبة من وعدين : وعد بالشراء من العميل الذى يطلق عليه : الآمر بالشراء . و وعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة ( أي بزيادة ربح معين المقدار أو النسبة على الثمن الأول ، أو الثمن و الكلفة ) و هذا هو المقصود بكلمة المرابحة هنا .
و قد اختار المصرف و العميل كلاهما الالتزام بالوعد ، و تحمل نتائج النكول عنه . كما تتضمن الصورة : أن الثمن الذى اتفق عليه بين المصرف والعميل ثمن مؤجل ، والغالب أن يراعى في تقدير الثمن مدة الأجل ،كما يفعل ذلك كل من يبيع بالأجل .
هذه هي عناصر العملية آلتي اشتهرت باسم “بيع المرابحة” ، وأنا لا أقف عند التسمية كثيراً ؛ لأنه لا عبرة بالأسماء إذا وضحت المسميات ، فمن حقنا أن نطلق عليها إن شئنا اسماً جديداً، و أن نعتبرها بمجموع عناصرها صورة جديدة من معاملات هذا العصر فهي ليست أكثر من مُوَاعَدَة على البيع لأجل معلوم ، بثمن محدد ، هو ثمن الشراء مضافاً إليه ربح معلوم ، تزيد نسبته أو مقداره عادة كلما طال الأجل . و لكنه ثمن معلوم من أول الأمر .انتهى.

الصورة الثانية:-من الممكن أن تتم العملية في صورة تأجير تمويلي تتضمنها اتفاقية تنص على أن يشتري البنك أو إحدى الشركات التجارية السيارة من البائع، ويؤجرها للعميل في صورة عقد تأجير تمويلي مقابل أقساط، يراعى في تحديدها بجانب تغطية مقابل الانتفاع استرداد الممول لثمن السيارة، وبحيث يمتلك العميل السيارة في نهاية المدة، ويسمّى هذا في الشريعة الإسلامية “الإجارة المنتهية بالتمليك”. ويجب أن تكون إجارة حقيقية، وليست بيعا في صورة إجارة، كما يجب أن يكون هناك فصل وعدم اشتراط بين عقدي الإجارة والبيع.

والله أعلم .

حرر هذه الفتوى: حامد العطار عضو لجنة تحرير الفتوى بالموقع .