السؤال:

ماهي التوبة ؟ واركانها ؟ وهل يكفي فيها الاستغفار باللسان ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

الأخت الفاضلة:-

التوبة ليست مجرد استغفار باللسان ،ولكنها عمل مكون من شروط ، وهذه الشروط هي العزم والندم الصادقان من المؤمن المذنب على ترك المعصية، وعدم العود إليها، ذلا لله وخوفا من عقابه ،فمن وجد منه ذلك كانت توبته حينئذ صحيحة، ونرجو أن تكون منجية له من العذاب إن شاء الله ، فالتوبة النصوح إذا صدرت من المذنب فى وقتها مستوفية شروطها تلحق التائب بمن لم يرتكب المعصية أصلا ، والمعصية إذا كانت متعلقة بالعباد وجب استرضاؤهم ، وطلب العفو منهم .

والمعصية التي يعقبها توبة تملك على صاحبها أقطار نفسه، فتجعل اللسان مستغفرا، والقلب مكتويا، والنفس آسفة، والبدن مشفقا من مؤاخذة ربه، فيشتغل الإنسان بالتوبة والأوبة، ويفزعه ذنبه، وتؤرقه معصيته فيوقف نفسه لإصلاح ما أفسد يكون ذنبا أفضل من الطاعة التي توجب عجبا ورياء .

قال ابن القيم رحمه الله :
” إن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات ، وهذا معنى قول بعض السلف : قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة فيدخل بها النار ، قالوا : وكيف ذلك قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه فيُحدِثُ له انكساراً وتوبةً واستغفارا وندما فيكون ذلك سبب نجاته ، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكرها أورثته عجباً وكبرا ومنة فتكون سبب هلاكه فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والإطراق بين يديه منكسا رأسه خجلا باكيا نادما مستقيلا ربه .

وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة وكبرا وازدراء بالناس ورؤيتهم بعين الاحتقار ، ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته الصائل بها المانّ بها وبحاله على الله عز وجل وعباده ، وإن قال بلسانه خلاف ذلك فالله شهيد على ما في قلبه ، ويكاد يعادى الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه ويخضعوا له ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك ، ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامنا ” مدارج السالكين 1 / 299 .انتهى.
وقال الشيخ العلامة ابن العثيمين :-
” وما أكثر ما يكون الإنسان منا بعد المعصية خيرا منه قبلها ، وفي كثير من الأحيان يخطئ الإنسان ويقع في معصية ، ثم يجد من قلبه انكساراً بين يدي الله وإنابة إلى الله ، وتوبة إليه حتى إن ذنبه يكون دائما بين عينيه يندم عليه ويستغفر ، وقد يرى الإنسان نفسه أنه مطيع ، وأنه من أهل الطاعة فيصير عنده من العجب والغرور وعدم الإنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه ، فالله حكيم قد يبتلي الإنسان بالذنب ليصلح حاله ، كما يبتلي الإنسان بالجوع لتستقيم صحته . وهل حصل لآدم الاجتباء إلا بعد المعصية والتوبة منها .

كما قال : ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) طـه/122 ، أي : بعد أن أذنب وتاب ؛ اجتباه ربه فتاب عليه وهداه ، وانظر إلى الذين تخلفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم ؟ لا شك أنه حصل لهم من الإيمان ، ورفعة الدرجات ، وعلو المنزلة ما لم يكن قبل ذلك ، وهل يمكن أن تنزل آيات تتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنهم حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله.انتهى.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-

“التوبة لها بواعث ولها موانع، ومن موانع التوبة أن تستحكم الذنوب في حياة الإنسان وتُطبِق عليه، ويشعر باليأس ويقول أنني عشت طول حياتي مرتكباً للمنكرات مقترفاً للكبائر غارقاً في أوحال الذنوب ولو نزلت في المحيط الهادي لن يطهرني.

 

بعض الناس يظن هذا التصور الخاطئ، فليس هناك ذنب يعظم على عفو الله عز وجل مهما كان، يقول الله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم).

 

فالتوبة تجُّب ما قبلها؛ ومنها التوبة من الشرك والتوبة من النفاق والتوبة من الكبائر والتوبة من الصغائر؛ فالتوبة تكون من كل ذنب؛ حتى المنافقين يقول فيهم ربنا سبحانه وتعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين)؛ ولكن بشرط أن يتوبوا.

 

فباب التوبة مفتوح للجميع، كل ما في الأمر أن تكون توبة صادقة توبة نصوحاً؛ لأن بعض الناس يظن أن التوبة مجرد كلام يُقال، ويأتي للمشايخ ويقول له: “توِّبني يا سيدنا الشيخ”.

وللتوبة أركان ثلاثة أساسية:

ركن الندم.. فمن مقومات التوبة أن يوجد مقوِّم نفسي، وهذا كما قال الإمام الغزالي: يتكون من علم وحال وعمل.

والعلم هو الجانب المعرفي في التوبة؛ بأن يعرف الإنسان خطأه وأنه سلك مع الله سلوكاً غير لائق، ويعرف آثار هذه الذنوب والمعاصي في دنياه وفي آخرته، وعلى نفسه وعلى صحته وعلى أخلاقه وعلى أسرته وعلى أولاده، ويشمل الجانب المعرفي أيضا؛ أن يعرف التائب مقام الله عز وجل ويعرف حاجته إلى التوبة.

 

ويترتب على الجانب المعرفي جانب وجداني؛ ويسميه الإمام الغزالي الحال. وهذا الذي نقول عنه الندم، فبعد أن يعرف الإنسان هذا يترتب عليه أن يندم.. إذا انتبه القلب إلى آثار المعاصي ندم الإنسان.

والندم هو شعور بالتوتر يحس فيه الإنسان بلذعة كأنها نار تحرقه احتراقًا داخليًا. وقد حدثنا المولى عز وجل عن نفسية التائب في سورة التوبة فقال: (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا).

هذه حالتهم؛ ضاقت عليهم الأرض بما رحبت على سعة الدنيا، إذ تهيأ للتائب كأن الأرض أصبحت كرة صغيرة، وضاقت عليه نفسه وظن ألا ملجأ من الله. لابد من هذه الحالة النفسية، والشعور بالحسرة والحزن على ما فات وما فرط في جنب الله.

 

بعد ذلك يؤثر هذا في ناحية أخرى وهي ناحية العزم والتصميم بالنسبة للمستقبل، ندمت على ما فات لابد من العزم على إصلاح ما هو آت، لا يكفي أن أكون حزين ومتحسرًا على ما مضى؛ لابد أن يؤدي هذا إلى عزم على عدم العودة إلى المعصية أبداً، قالوا: لابد أن يكون ساعة التوبة مصمماً على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً. كما لا يعود اللبن إلى الضرع إذا خرج منه.

 

ومن ناحية أخرى؛ هناك جانب عملي بعد ذلك، بعد الجانب الوجداني والإرادي، وهو أن يُقلع بالفعل عن المعصية. وهذا الجانب العملي له فروع منها:

– أن يستغفر الله تعالى بلسانه: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).

 

– ومنها أن يغير البيئة، ففي الحديث الصحيح: (إن رجلا قتل 99 نفساً وذهب إلى عابد وقال له: أنا قتلت 99 نفساً فهل لي من توبة؟، فقال له: ليس لك من توبة أبداً فقتله وأكمل به 100 نفس، ثم ذهب إلى عالِم فقال له: قتلت مئة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن اترك البلد التي أنت فيها واذهب إلى بلدة صالحة أخرى).

معنى هذا أن الإنسان عليه أن يغير البيئة و”الشِلَّة” القديمة، لابد أن يغير أصحاباً بأصحاب، وإخواناً بإخوان.. هناك أناس يدعونه إلى الخير إذا رآهم تدله رؤيتهم على الخير، كلامهم يحث على الطاعة، مصاحبتهم تغريه بتقوى الله، فلابد من تغيير البيئة.

 

– ومنها أن يغير السيئة بالحسنة، وأن يبدل السيئة بالحسنة وخصوصاً حسنة من جنسها، قال صلى الله عليه وسلم: (واتبع السيئة الحسنة تمحها) وكما قال الله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات).

فلو كان يعُقُّ والديه فعليه أن يبالغ في برِّهما، إن كان يقطع أرحامه عليه أن يصل الأرحام، إن كان يغتاب الناس عليه أن يذكر حسناتهم، إن كان يقرأ الكتب غير المفيدة فعليه أن يقرأ كتاب الله ويقرأ الكتب الإسلامية، إن كان يشتغل مذيعًا للضلال، عليه أن يشتغل مذيعًا للصدق وللخير، إن كان يؤلف كتبًا تضلِّل الناس عن الله فعليه أن يؤلف كتبًا ترد الناس إلى الله وتدعو الناس إلى الله.. فيعمل حسنة من جنس السيئة.

 

هذه هي أركان ومقومات التوبة، ليست مجرد أن يقول تبت إلى الله ورجعت إلى الله وندمت على معصية الله.

والتوبة سلوك ناتج عن وجدان وعن توتر وعزم يتبعه علم وفعل. فإذا صدقت التوبة لابد أن يتبعها سلوك وعمل، ولذلك القرآن يقول: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى)، ويقول: (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً).

 

فلابد مع التوبة من تجديد الإيمان؛ لأن الذنوب تخدش الإيمان، ويأتي دور التوبة لترميمه؛ والتوبة الحقيقية إيمان يتبعه عمل للصالحات”.

والله أعلم.
حرر هذه الفتوى حامد العطار عضو لجنة تحرير الفتوى بالموقع .

 

 


الوسوم: , ,