السؤال:

ما هو حكم الصلاة والصوم في السنين الماضية التي لم أقم بأدائهما؟ علما أنني تبت توبة نصوحة قبل شهرين ومن ذلك اليوم وأنا أصوم وأتصدق وأصلي الصلوات الخمس، الرجاء إجابتي لكي أعرف ما علي عمله ولكم الشكر مني والفضل من رب العباد.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
العلماء لهم رأيان في قضاء تارك الصلاة للصلاة، رأي يرى أن تارك الصلاة دون عذر لا يلزمه إلا التوبة الصادقة وتحقق بالرجوع إلى الصلاة، ولا يؤمر بقضاء الصلاة التي فاتته بل يُنصح بالاستكثار من النوافل، والإسلام يجب ما قبله.

ورأي آخر يقول: إن تارك الصلاة عاص، والصلوات التي فاتته تلزمه في عنقه عليه أن يؤديها حتى تبرأ ذمته منها . وهذا رأي جمهور الفقهاء.
لكن الفقهاء جميعا سواء منهم من أوجب القضاء، أو منعه متفقون على أن القضاء لا يسقط الإثم بالرغم من وجوبه عند من أوجبه، ولكن الذي يسقط الإثم هو التوبة. وعليه فعلى من فاتته بعض الصلوات عمدا في غير نوم ولا نسيان أن يكثر من النوافل والاستغفار بدلا من القضاء، كما عليه أن يندم على ما فات، ويحرص على الانتظام في الصلاة. أما الصيام فيجب أن يقضى بل وذهب  بعض الفقهاء إلى أن عليك الفدية مع القضاء بأن تطعم مسكينا وجبتين مشبعتين عن كل يوم تقضينه، والراجح أنه ليس واجبا.

يقول الشوكاني في شرح قوله صلى الله عليه الذي رواه البخاري ومسلم :- (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك }:-

تمسك بهذا الحديث من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة; لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط, فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي, وإلى ذلك ذهب داود وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي, وحكاه في البحر عن ابني الهادي والأستاذ, ورواية عن القاسم والناصر.
قال ابن تيمية حفيد المصنف- شيخ الإسلام-: والمنازعون لهم ليس لهم حجة قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد, وليس معهم هنا أمر، ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط, بل ننازع في قبول القضاء منه وصحة الصلاة في غير وقتها وأطال البحث في ذلك واختار ما ذكره داود ومن معه.
والأمر كما ذكره فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد، وهم ليس معهم دليل ينفق في سوق المناظرة, ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث { فدين الله أحق أن يقضى } باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم, ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسا.
وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم: إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد; لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى, فتدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب وهذا مردود; لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي بل بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه فلا فائدة فيه, فيكون إثباته مع عدم النص عبثا بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرح بأن القضاء كفارة لهما لا كفارة لهما سواه, ومن جملة حججهم أن قوله في الحديث: { لا كفارة لها إلا ذلك } يدل على أن العامد مراد بالحديث; لأن النائم والناسي لا إثم عليهما, قالوا: فالمراد بالناسي التارك سواء كان عن ذهول أم لا. ومنه قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم } وقوله تعالى: { نسوا الله فأنساهم أنفسهم }.
ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء على الناسي والنائم لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به والأحاديث الصحيحة قد صرحت بوجوب ذلك عليهما, وقد استضعف الحافظ في الفتح هذا الاستدلال . وقال: الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد, على أنه قد قيل: إن المراد بالكفارة هي الإتيان بها تنبيها على أنه لا يكفي مجرد التوبة والاستغفار من دون فعل لها.

وقد أنصف ابن دقيق العيد فرد جميع ما تشبثوا به, والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقا من عموم حديث: { فدين الله أحق أن يقضى } لا سيما على قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدال على وجوب الأداء, فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردد, لأنه يقول: المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينا عليه, والدين لا يسقط إلا بأدائه, إذا عرفت هذا علمت أن المقام من المضايق وأن قول النووي في شرح مسلم بعد حكاية قول من قال: لا يجب القضاء على العامد أنه خطأ من قائله وجهالة – من الإفراط المذموم.

والله أعلم.