السؤال:

هل في ديننا نفقة الزوجة مقدرة من قبل الشارع الحكيم؟ وما كيفيتها؟ مع توضيح كلام العلماء حول المراد بـ (الكفاية) و(المعروف).

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فنفقة الزوجة تتقدر على حسب حالة الزوج والزوجة معا من الغنى واليسار. وإذا كانت الزوجة تعيش مع زوجها، فإنها تستطيع بالتفاهم بينهما أن تصل إلى هذا الحد من النفقة. وأما إذا كانت مطلقة، فإنه لا نفقة لها إلا أيام العدة، فإذا انتهت العدة، فلا نفقة لها إلا إذا كانت حاضنا، والنفقة في هذه الحالة يقدرها القضاء طبقا لحالة الزوج من اليسار، وعلى الزوجة إذا رأت أنها ظلمت في التقدير أن تلجأ إلى محام عارف بالقانون يعيد لها حقها.

على أن الأمر كله في هذه الحالة يرجع إلى من يقوم بالتحري عن حالة الزوج المادية من رجال المباحث، وقد يلجأ الزوج أو دفاعه إلى رشوتهم أو تضليلهم.. وهذا حرام لا يجوز شرعا.

وليس في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه قرآن، وذاك قوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها). إلا أن يكون المقصود قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند حينما اشتكت إليه بخل أبي سفيان زوجها، فقال لها: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
لم يحدد الشرع في النفقة على المرأة مقدارًا معينًا من الدراهم أو غيرها. بل الواجب هو تلبية حاجتها بالمعروف. والحاجة تختلف من عصر لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومن وسط لآخر، ومن رجل لآخر.

فالمدنية غير الريفية، والحضرية غير البدوية، والمثقفة غير الأمية، والناشئة في بحبوحة النعيم غير الناشئة في خشونة الشظف، وزوجة الثري غير زوجة المتوسط غير زوجة الفقير. وقد أشار القرآن إلى شيء من ذلك. فقال: (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها). (الطلاق: 7).

وفي متعة المطلقة نبه على هذا المعنى فقال: (متعوهن على الموسر قدره وعلى المقتر قدره، متاعًا بالمعروف، حقًا على المحسنين). (البقرة: 236).

وما أجمل ما ذكر الإمام الغزالي في ” الإحياء ” من آداب النكاح عن الاعتدال في النفقة حيث قال: فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق، ولا ينبغي أن يسرف، بل يقتصد قال تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) (الأعراف: 31) .. وقال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) (الإسراء: 29) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خيركم خيركم لأهله” (أخرجه الترمذي من حديث عائشة وصححه) وقال صلى الله عليه وسلم: “دينار أنفقته في سبيل الله (أي في الجهاد) ودينار أنفقته في رقبة (أي في العتق) ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك” (أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة) وقيل: كان لعلي أربع نسوة، فكان يشتري لكل واحدة في كل أربعة أيام لحمًا بدرهم.

وقال ابن سيرين: يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة فالوذجة (نوعا من الحلوى) قال الغزالي: وكأن الحلاوة وإن لم تكن من المهمات ولكن تركها بالكلية تقتير في العادة.

ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب، فلا يطعمهم منه، فإن ذلك مما يوغر الصدور، ويبعد عن المعاشرة بالمعروف، فإن كان مزمعًا على ذلك، فليأكل بخفية، بحيث لا يعرف أهله ولا ينبغي أن يصف عندهم طعامًا ليس يريد إطعامهم إياه. وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته . . (إحياء علوم الدين، جـ 2، ص 47، ط. دار المعرفة – بيروت). . إلخ “.
ولكن ما الذي يفرضه الشرع للزوجة من النفقة ومطالب المعيشة ؟
لنسمع ما يقوله في ذلك الفقه المستند إلى الكتاب والسنة . ..
قال شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلي في كتابه ” الكافي “:
(يجب للمرأة من النفقة قدر كفايتها بالمعروف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف” (متفق عليه) ولأن الله قال: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (البقرة: 233) والمعروف: قدر الكفاية؛ لأنها واجبة لدفع الحاجة. فتقدرت بالكفاية كنفقة المملوك فإذا ثبت أنها غير مقدرة، فإنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم (أي القاضي) فيفرض لها قدر كفايتها من الخبز والأدم.

ويجب لها في القوت الخبز، لأنه المقتات في العادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) (المائدة: 89) الخبز والزيت. وعن ابن عمر: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر. ومن أفضل ما تطعمهم: الخبز واللحم.
ويجب لها من الأدم بقدر ما تحتاج إليه من أدم البلد: من الزيت والسيرج والسمن واللبن واللحم، وسائر ما يؤتدم به، لأن ذلك من النفقة بالمعروف، وقد أمر الله تعالى ورسوله به.

ويختلف ذلك بيسار الزوج وإعساره، لقوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) (الطلاق: 7) وتعتبر حال المرأة أيضًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف” فيجب للموسرة تحت الموسر من أرفع خبز البلد وأدمه بما جرت به عادة مثلها ومثله، وللفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد وأدمه على قدر عادتهما، وللمتوسطة تحت المتوسط.
وإذا كان أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا ما بينهما كل على حسب عادته، لأن إيجاب نفقة الموسرين على المعسر، وإنفاق الموسر نفقة المعسرين، ليس من المعروف، وفيه إضرار بصاحبه.

وتجب الكسوة للآية والخبر، ولأنه يحتاج إليها لحفظ البدن على الدوام، فلزمته كالنفقة ويجب للموسرة تحت الموسر من رفيع ما يلبس في البلد من الإبريسم والخز والقطن والكتان، وللفقيرة تحت الفقير من غليظ القطن والكتان، وللمتوسطة تحت المتوسط، أو إذا كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، ما بينهما على حسب عوائدهم في الملبوس، كما قلنا في النفقة.

ويجب لها مسكن، لأنها لا تستغني عنه للإيواء، والاستتار عن العيون، للتصرف والاستمتاع ويكون ذلك على قدرهن، كما ذكرنا في النفقة.
وإن كانت ممن لا يخدم نفسها، لكونها من ذوات الأقدار، أو مريضة، وجب لها خادم، لقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) وإخدامها من العشرة بالمعروف، ولا يجب لها أكثر من خادم، لأن المستحق خدمتها في نفسها، وذلك يحصل بخادم واحد، ولا يجوز أن يخدمها إلا امرأة، أو ذو رحم محرم، أو صغير). (الكافي لابن قدامة، جـ 2، ص 985 وما بعدها) ا هـ.

وقال صاحب “الروضة الندية” في بيان ما يجب للزوجة على الزوج من النفقة:
(هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال والأشخاص، فنفقة زمن الخصب، المعروف فيها غير المعروف في زمن الجدب. ونفقة أهل البوادي، المعروف فيها ما هو الغالب عندهم، وهو غير المعروف من نفقة أهل المدن.
وكذلك المعروف من نفقة الأغنياء، على اختلاف طبقاتهم، غير المعروف من نفقة الفقراء، والمعروف من نفقة أهل الرياسات والشرف، غير المعروف من نفقة أهل الوضاعات. فليس المعروف المشار إليه في الحديث، هو شيء متحد، بل مختلف باختلاف الاعتبار) ا هـ.

وقال الشوكاني: (والحق ما ذهب إليه القائلون بعدم التقدير، لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، فإنه لا ريب أن بعض الأزمنة قد يكون أدعى للطعام من بعض، وكذلك الأمكنة، فإن بعضها قد يعتاد أهله أن يأكلوا في اليوم مرتين، وفي بعضها ثلاثًا، وفي بعضها أربعًا. وكذلك الأحوال، فإن حالة الجدب تكون مستدعية لمقدار من الطعام أكثر من المقدار الذي تستدعيه حالة الخصب. وكذلك الأشخاص، فإن بعضهم قد يأكل الصاع فما فوقه، وبعضهم قد يأكل نصف صاع، وبعضهم دون ذلك. وهذا الاختلاف معلوم بالاستقراء التام، ومع العلم بالاختلاف يكون التقدير على طريقة واحدة ظلمًا وحيفًا. ثم إنه لم يثبت في هذه الشريعة المطهرة التقدير بمقدار معين قط، بل كان صلى الله عليه وسلم يحيل على الكفاية مقيدًا لذلك بالمعروف، كما في حديث عائشة عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وأحمد بن حنبل وغيرهم: “أن هندًا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”.

فهذا الحديث الصحيح، فيه الإحالة على الكفاية، مع التقييد بالمعروف، والمراد به الشيء الذي يعرف وهو خلاف الشيء الذي ينكر، وليس هذا المعروف الذي أرشد إليه الحديث شيئًا معينًا ولا المتعارف بين أهل جهة معينة، بل هو في كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، المتعارف بينهم.

ويعتبر في كل محل بعرف أهله، ولا يحل العدول عنه إلا مع التراضي وكذلك الحاكم، يجب عليه مراعاة المعروف بحسب الأزمنة والأمكنة، والأحوال والأشخاص، مع ملاحظة حال الزوج في اليسار والإعسار، لأن الله تعالى يقول: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) (البقرة: 236). وإذا تقرر لك أن الحق عدم وجود تقدير الطعام بمقدار معين، فكذلك لا يجوز تقدير الإدام بمقدار معين، بل المعتبر الكفاية بالمعروف.

وقد حكى صاحب البحر، أنه قدر في اليوم أوقيتان دهنًا من الموسر، ومن المعسر أوقية، ومن المتوسط أوقية ونصف). (الروضة الندية شرح الدرر البهية، جـ 2، ص 77).
” وفي شرح الإرشاد أنه يعتبر الإدام تقدير القاضي باجتهاده عند التنازع، فيقدر في المد من الإدام ما يكفيه، ويقدر على الموسر ضعف ذلك، وعلى المتوسط بينهما، ويعتبر في اللحم عادة البلد للموسرين والمتوسطين كغيرهم”.

ثم الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف” أن ذلك غير مختص بمجرد الطعام والشراب، بل يعم جميع ما يحتاج إليه، فيدخل تحته الفضلات (الكماليات) التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة، بحيث يحصل التعذر بمفارقتها أو التضجر أو التكدر. ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال، ويدخل فيه الأدوية ونحوها، وإليه يشير قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (البقرة: 233)، فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات. إن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه، والرزق يشمل ما ذكرناه.

وبهذا البيان يتضح للأخت السائلة الجواب عن سؤالها بشقيه، وفي جوابه صلى الله عليه وسلم لهند في موقفها من زوجها أبي سفيان وشحه: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف” وفيما نقلناه من كلام العلماء حول المراد بـ (الكفاية) و(المعروف) ما ينير الطريق أمام صاحبة الاستفتاء هنا، كيف تتصرف مع زوجها البخيل عليها. أجل فيما قدمنا من البيان ما يكفي ويشفي. ولله الحمد أولاً وآخرًا. والله أعلم.