السؤال:

هل هذا الدعاء صحيح أم خطأ:اللهم اني لا أسـألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيما قضيت؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

هذا الدعاء : ( اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه ) اخترعه من تصور أن قضاء الله لا يرده الدعاء ، وأن قصارى ما يمكن أن يصنعه الدعاء التخفيف والتلطيف والتثبيت ، وهذا خطأ ظاهر ، فإن الله أمرنا بالدعاء وجعله سببا في تحقق الإجابة ، كما يكون الطعام سببا للشبع ، فإذا لم يحصل الطعام لا يحصل الشبع ، وإذا حصل الطعام حصل الشبع ، والإنسان لا يعرف قبل وقوع المقدور ما الذي سيقع ؟ وإذا وقع شر فلا يعرف الإنسان آثار هذا الشر ، وهل ستنقشع الغمة أم لا ؟ فعليه أن يسأل الله ويدعوه دعاء الواثق بالإجابة ، فقد يكون الله علق رفع الضر بالدعاء ، فإذا حصل الدعاء ارتفع الضر وإلا فلا ، والإنسان في قبره إذا صار من أهل النار أطلعه الله على مقعده في الجنة قائلا له على لسان ملائكته : لو عملت خيرا لكان هذا مكانك ، كما يحدث مع من صار من أهل الجنة العكس .

يقول الدكتور جعفر أحمد الطلحاوي من علماء الأزهر الشريف :-

إن هذا الدعاء بهذه الصيغة : ( اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه ) لا يجوز؛حيث قد ورد أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء، وفي الحديث أيضا الدعاء والقضاء يتعالجان، يقول القضاء: أنا نازل من عند الله، ويقول الدعاء: أنا صاعد بأمر الله ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن فائدة الدعاء مع أن الله قد فرغ من القضاء فقال :-

إذا قال قائل : إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله { ادعوني أستجب لكم } وإن كان الدعاء أيضا مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه ؟ فالإجابة على ذلك كالآتي :-

الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات- يعني أن الدعاء سبب للإجابة كما أن الأكل سبب للشبع – .
ومن قال : إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسئول و ليس بسبب ، أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودا ولا عدما ; بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه فهما قولان ضعيفان – يعني من ظن أن الدعاء ليس سببا في حصول الأمر الذي يطلبه الإنسان ، ولكنه واقع لا محالة ، سواء دعا الإنسان أم لم يدع فهو مخطئ – .

ثم ذكر ابن تيمية الأدلة على ذلك فقال :-

فإن الله علق الإجابة بالدعاء تعليق المسبب بالسبب كقوله : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم }.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قال ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له من الخير مثلها ، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا : يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر }
فعلق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به وقال عمر بن الخطاب : إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه وأمثال ذلك كثير .

وأيضا فالواقع المشهود يدل على ذلك ويبينه كما يدل على ذلك مثله في سائر الأسباب .
وقد أخبر سبحانه من ذلك ما أخبر به في مثل قوله : { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون }
وقوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين { فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين }
وقوله : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض }
وقوله تعالى عن زكريا : { رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه }
وقال تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون }
وقال تعالى : { ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام } { إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } { أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير } { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } .
فأخبر أنه إن شاء أوبقهن ; فاجتمع أخذهم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها مع علم المجادلين في آياته أنه ما لهم من محيص.

وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع خفق نعالهم أتاه ملكان فيقررانه . فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه محمد عبد الله ورسوله قال : فيقول انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيراهما كليهما.

والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء والسؤال هو سبب لنيل المطلوب المسئول ، و ليس وجوده كعدمه في ذلك ولا هو علامة محضة كما دل عليه الكتاب والسنة ، وإن كان قد نازع في ذلك طوائف من أهل القبلة وغيرهم مع أن ذلك يقر به جماهير بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين . وأما قوله : وإن كان الدعاء مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه ؟ فيقال : الدعاء المأمور به لا يجب كونا بل إذا أمر الله العباد بالدعاء فمنهم من يطيعه فيستجاب له دعاؤه وينال طلبته ويدل ذلك على أن المعلوم المقدور هو الدعاء والإجابة .
ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما علق بالدعاء فيدل ذلك على أنه ليس في المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابة .
فالدعاء الكائن هو الذي تقدم العلم بأنه كائن [ والدعاء الذي لا يكون هو الذي تقدم العلم بأنه ] لا يكون .

فإن قيل : فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون من الدعاء قيل الأمر هو سبب أيضا في امتثال المأمور به كسائر الأسباب فالدعاء سبب يدفع البلاء فإذا كان أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعفه ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق .

والله أعلم .