السؤال:

إن أبي كان تاجرا فقيرا لا يملك نفقة الحج في مقتبل عمره، وحين كبر أصيب بمرض أقعده عن الحركة عافانا الله وإياكم، ورزقه الله بعد ذلك مالا يمكنه الحج لكن بسبب مرضه منع من أداء الحج في آخر حياته، ثم مات ولم يوكل أحدا ولم يوص بالحج عنه ، وترك زوجة التي هي أمي ، وأختي وابن أخي ، وقبل قسمة التركة ماتت والدتي كذلك وهي اوصت بأن نحج عن أبي ، فهل لنا أن نأخذ من تركته للحج عنه ؟ وهل أمي تستحق من التركة شيئا؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

الأخت الفاضلة :-

ذكرت أن أباك كان فقيرا لا يملك نفقة الحج في مقتبل عمره، ثم ذكرت أنه مرض مرضا يمنعه من أداء الحج في آخره، فإذا كان في فترة عجزه البدني عن الحج لم يزل فقيرا ، أي جمع في آخر عمره بين الفقر والعجز فحينئذ يكون أبوك مات وذمته بريئة من دين الحج ؛ فإن الميت المسلم البالغ العاقل إن لم يتمكن من أداء حجة الإسلام لفقد شروط الاستطاعة فإن الحج يكون غير واجب عليه حينئذ، ولا يلزم أحداً أن يحج عنه – ولو كان من ورثته – لا من ماله ولا من مال غيره إلا أن يحج عنه تطوعاً، فيجوز ذلك على الراجح من أقوال أهل العلم. وحينئذ لا يجب الحج من مال التركة ، بل توزع التركة على أصحابها الشرعيين، ومن أراد أن يحج عنه حينئذ فليحج من ماله الخاص.

وأما إذا كان أبوك في فترة عجزه البدني عن الحج قد صار موسرا بأن كان قادرا ماليا إلا أنه لم يستطع الحج صحيا فقد كان عليه حينئذ أن ينيب من يقوم بالحج عنه من ماله الخاص طالما كان موسرا .

يبين ذلك الشيخ ابن العثيمين فيقول :-

“فإن كان عاجزاً بماله قادراً ببدنه لزمه الحج أداءً؛ لأنه قادر. مثل: أن يكون من أهل مكة، لكنه يقدر أن يخرج مع الناس على قدميه ويحج.

وإن كان بعيداً عن مكة، ويقول: أستطيع أن أمشي، وأخدم الناس وآكل معهم فيلزمه الحج>

وإن كان قادراً بماله عاجزاً ببدنه لزمه الحج بالإنابة، أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه، إلا إذا كان العجز مما يرجى زواله فينتظر حتى يزول. مثال ذلك: إنسان كان فقيراً وكبر وتقدمت به السن، وأصبح لا يمكن أن يصل إلى مكة فأغناه الله في هذه الحال، فنقول: لا يلزمه الحج في هذه الحال ببدنه؛ لأنه عاجز عجزاً لا يرجى زواله، لكن يلزمه الحج بالإنابة، أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه.

فإن قال قائل: كيف تلزمونه أن ينيب في عمل بدني، والقاعدة الشرعية التي دلت عليها النصوص: “أنه لا واجب مع العجز” لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وهذا لا يستطيع أن يحج فكيف نلزمه أن ينيب من يحج عنه، أفلا يجب أن نقول: إن هذا يسقط عنه الوجوب لعجزه عنه؟

فالجواب أن يقال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ المرأة حين قالت: “يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟” ، فأقرها على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، ولو لم يجب عليه لم يقرها الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه لا يمكن أن يقر على خطأ، فدل على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب” انتهى كلام ابن العثيمين.

وفي هذه الحالة يكون مفرطا لأنه لم يوكل أحدا أثناء حياته بالحج، وحينئذ يجب أن يخرج من تركته نفقة الحجة، ويوكل أحد الناس بالقيام بهذه الحجة من هذه النفقة ، وهذه النفقة تخرج من التركة قبل التوزيع، أي ينظر إلى مجموع التركة التي خلفها أبوك فيخصم منها نفقة الحج ، وما يتبقى يوزع على الورثة الشرعيين، وهذا الخصم إنما يكون من التركة التي خلفها أبوك ، وليس من تركة الأم ، بمعنى أن عليكم الآن أن تقوموا التركة التي خلفها أبوكم فتخصموا منها نفقة الحجة ، وما بقي هو الذي يوزع ، وستأخذ أمكم في هذه الحالة ثمن الباقي بعد الخصم ، وهذا الثمن الذي ستأخذه أمكم يوزع عليكم ، فتأخذين أنت وأختك الثلثين، والثلث الأخير لابن الأخ لا يخصم منه شيء ؛ لأن نفقة الحج خصمت من المنبع.

وأما تجهيز الحج من أموال الزكاة فلا يجوز. والله أعلم .