السؤال:

شيخنا الجليل ..نحن نعيش في أمريكا وندفع إيجارًا غاليًا للبيت نظرًا للعائلة الإسلامية التي عادة تكون كبيرة، ومن الممكن شراء بيت عن طريق بنك بالأقساط المريحة خلال عشرين سنة، غير أن هذه الصفقة تتضمن فائدة زائدة على الثمن الأصلي للبيت، فمثلاً إذا كان ثمن البيت 100 ألف دولار فأنت تدفع 110 ألف دولار خلال عشرين سنة، كل شهر ألف دولار فقط وبعد عشرين سنة تكون صاحب البيت، لكن نخاف من كون هذه الصفقة ربًا محرمًا، وسمعنا أن بعض الفقهاء أجازوا هذا النوع من البيع في دار الحرب أو دار الكفر.
فما هو رأيكم أفتونا وسهلوا علينا؟

الجواب:

لا شك أن هذه الصفقة تتضمن الفائدة المحرمة لأن أي زيادة على القرض فهي ربا بنص قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (من زاد أو استزاد فقد أربى)، وهذا لاشك فيه وهو المتفق عليه بين العلماء الثقات والمجامع الفقهية خلال ثلاثين سنة؛ ولكن حدث خلاف بين المعاصرين في الربا في بلاد الكفر، فذهب بعضهم إلى أنه لا ربا في دار الكفر باعتبارها دار حرب أخذًا من رأي أبي حنيفة رحمه الله في إجازته ذلك في دار الحرب، وذهب الأكثرون إلى عدم جواز أخذ الربا أو دفعه في بلاد الكفر وفي بلاد الحرب وهذا رأي جماهير الفقهاء من السلف والخلف ما عدا أبي حنيفة رحمه الله الذي أجاز أخذ الربا في دار الحرب.

ولنا ملاحظات قوية على رأي بعض المعاصرين في قياسهم ما يحدث الآن في الغرب على قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله منها ما يأتي:

أولاً: أن رأي الأمام أبي حنيفة رحمه الله خاص بدار الحرب وبلاد الغرب اليوم من الصعب جدًا تسميتها بدار الحرب حسب المصطلح الإسلامي القائم على تقسيم الدول إلى دار حرب ودار إسلام، ودار الحرب تعني أن لا يكون هناك أي معاهدة بين المسلمين وبين تلك الدار، فالبلاد الغربية اليوم لها علاقات دبلوماسية ومعاهدات تجارية مع عالمنا الإسلامي، وأن المهاجرين المسلمين دخلوا هذه الديار من خلال عقود ووثائق وليس من خلال الفتوحات الإسلامية.

ثانيًا: أن بلاد الغرب اليوم تدخل في التقسيم الثلاثي عند المحققين من العلماء حيث قسموا العالم كله إلى دار إسلام ودار حرب ودار عهد فالبلاد الغربية تدخل في دار العهد فليست بدار الحرب بمعناها الدقيق.

ثالثًا: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله أجاز للمسلم أن يأخذ الربا من الكافر إذا كان يعيش في دار الحرب، ولم يجز دفع الربا، ومبنى كلامه هذا قائم على أن أموال الكافرين عند الحرب لا عصمة لها ولا حرمة لها، إلا إذا كان الكافر معاهدا فمادامت هذه الأموال لا عصمه لها في دار الحرب فإذا أخذت برضا الكافر فهي حلال كما أوضح ذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير؛ ولذلك لم يجز أبو حنيفة قطعًا دفع الفائدة للكافر، فلو كانت المسألة تخص عقد القرض أو الربا لكان الدفع جائزًا، كما جاز الأخذ فالقضية عند أبي حنيفة رحمه الله لم تأسس على أساس العقد وإنما على أساس هذا الظرف الاستثنائي وهو وجود الحرب بين الكفرة والمسلمين.

ومن هنا فالواقع اليوم أن المسلمين في بلاد الكفر هم الذين يدفعون الفائدة للبنوك الربوية فيها، ومن هنا فلا ينطبق على هذه الحالة فتوى الإمام رحمه الله.

رابعًا: أن جميع أحكام الشريعة الإسلامية لا تختلف من مسلم إلى كافر فليس عندنا أحكام مختلفة يختلف فيها المسلم عندما يتعامل مع أخيه المسلم أو عندما يتعامل مع الكافر، على عكس اليهودي الذي أجاز الربا في تعامله مع غير اليهود ولم يجز الدين اليهودي المحرف الربا لليهودي بينما أحكام الإسلام عامة .