السؤال:

نقلت أنباء من خبير في مجال الصحة السعودية أن ملايين الحجاج الذين يتدفقون على المملكة قد يتسببون في تهيئة ظروف تؤدي لظهور وباء عالمي من الأنفلونزا، داعيا المملكة إلى التفكير في إلغاء موسم الحج هذا العام إذا دعت الضرورة. فهل يجوز فعلا إلغاء الحج هذا العام خشية انتشار المرض ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فلا يجوز إلغاء الحج خشية انتشار مرض انفلونزا الطيور، إذ إنه في حكم المظنون، ولايمنع الواجب لظن ، ولكن من الواجب منع المصابين من الحج واتخاذ الاحتياطات الواجبة لمنع انتشاره .

يقول فضيلة الدكتور خالد الشمراني رئيس قسم القضاء بكلية الشريعة بجامعة أم القرى:

لم يذكر في التاريخ الإسلامي أن أوقف الحج في مرة من المرات بسبب وباء أو مرض ولكنه ثبت في السنة أنه إذا وجد الطاعون في بلد من البلاد فلا يدخل إليها ولا منها.

ولكن مرض أنفلونزا الطيور هو مرض وباء عالمي ولا يمكن في هذه الحالة إن توقف شعيرة  بسببه.. و إيقاف الحج لمرض وبائي عام هو إيقاف لمصلحة كبرى تأتي على قمة المصالح الإسلامية فهي ركن من أركان الإسلام.

وإن الظن بإصابة الحجيج بأي مرض وبائي غير مقبول في مسألة مثل هذه لاسيما أنه غير موجود في مكة المكرمة، فالحجاج يقدمون لأداء الحج من جميع بلاد العالم والمرض يعم جميع بلاد العالم لذا لا يجوز إيقاف هذه الشعيرة. والواجب على ولاة الأمر اتخاذ التدابر لحماية الحجاج ثم التوكل على الله سبحانه وتعالى”.

ويقول مسعود صبري باحث شرعي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة:

الحج فريضة من فرائض الله تعالى على عباده المؤمنين، أوجبها على القادر، فمتى توفرت القدرة ؛ وجب الحج، لقوله تعالى :” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا “، وهي صيغة إيجاب وإلزام ، وذلك دليل الفرضية ، بل يؤكد القرآن الفرضية بقول الله تعالى :” ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ” ، فجعل الكفر مقابل الفرض ، فدل على أن ترك الحج ليس من شأن المسلمين ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أدائه ، وجعل التعجل فيه أولى من التأخير ، فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له } رواه أحمد ، وعن النبي  صلى الله عليه وسلم : ” من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة ” رواه أحمد وابن ماجه.

و الدعوة إلى إلغاء الحج هذا العام خشية انتشار أنفلونزا الطيور لا سند لها من الشرع ، فمنع الحج في موسم من المواسم لم يقل به فقيه واحد، ولم يتم على مر العصور التاريخية مع كثرة الأحداث التي مرت بها الأمة الإسلامية، وانتشار الأوبئة المتعددة ، ولهذا ، فإن الدعوة تعد تعطيلا لشعيرة من شعائر الله ، وهو أمر منهي عنه شرعا من حيث الأصل ، استنادا إلى وجوب الحج ، وإجماع الأمة على عدم إيقافه في أي عام ، وليس في ذلك نكير من أحد .

وإن كان الواجب على المسلمين أداء شعيرة الحج ، فواجب عليهم أيضا أن يدفعوا عنهم أذى هذا المرض ” أنفلونزا الطيور” ، من خلال اتخاذ التدابير الوقائية لمنع انتشار هذا المرض بين الناس ، بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم :”لا عدوى ولا طيرة ” ، وقد يكون هذا من خلال عمل اختبار تحاليل للحجاج خاصة من الدول التي عرف عنها انتشار هذا المرض ،  فلا تعطى تأشيرة الحج من السفارات السعودية بالبلاد إلا بعد عمل تحاليل للمتقدمين للحج ،  بل يمكن أن يصل الأمر إلى منع حجاج البلد الأصلي المنتشر فيه المرض من باب الوقاية ، بناء على قوله صلى الله عليه وسلم :” لا ضرر ولا ضرار” .

كما أنه من الواجب الشرعي على كل من أصيب بهذا المرض أن يتداوى منه أولا ، ولا يجوز له الذهاب إلى الحج هذا العام ، بناء على ما ذهب إليه بعض الفقهاء كالشافعي ومحمد بن الحسن من الأحناف ، من أن الحج واجب على التراخي ، فيمكن تأجيل الشخص المصاب بالمرض للحج لحين التعافي منه ،  حتى على رأي من قال بأن الحج واجب على الفور، كالإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد وأبي يوسف  ، فإنه لا يجوز أن يحج المصاب بمرض أنفلونزا الطيور إن أدى هذا إلى إصابة غيره بهذا المرض، لأنه عذر منع أداء واجب ، وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام ثمان من الهجرة ولم يحج إلا في العام العاشر ، فدل على جواز التأخير لموجب معتبر .

وقد جعل الفقهاء الاستطاعة من شروط الحج ، ومن تلك الاستطاعة صحة البدن ، غير أن بعض الفقهاء لم يجعل صحة البدن سببا للوجوب ،ولكن سببا للزوم  الأداء ، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية وقالوا :”إن صحة البدن ليست شرطا للوجوب ، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس , فمن كان هذا حاله يجب عليه الحج ، بإرسال من ينوب عنه . وقال الإمامان أبو حنيفة ومالك : إنها شرط للوجوب .

ويحرم عليه استخراج بطاقة مزورة تدعي أنه معافى منه وهو مصاب به حتى يحج ، لما في ذلك من إيذاء المسلمين ، وهو محرم بنص القرآن كما قال تعالى:” والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتلموا بهتانا وإثما مبينا” .

وقد أجاز الفقهاء أن من كان مريضا مرضا لا يرجى الشفاء منه أن له أن ينيب عنه غيره في الحج ، ولا يجب عليه مرة أخرى إن شفي منه على المختار من الفتوى، قياسا على الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الحج ،  وإن كان يرجى شفاؤه ، فله أن يؤخر الأداء حتى الشفاء، كما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ، بل إن مات مع نية أداء الحج ، حج عنه وليه أو من ينيبه وليه من الابن أو غيره ،  وله أن ينيب عنه غيره في حال حياته إن خشي أن يفوته الحج مع الاستطاعة ، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وغيره .

والخلاصة : أنه لا يجوز إلغاء الحج في أي عام ، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة في منع انتشار المرض عن طريق العدوى من خلال منع المصابين من الحج ، رفعا للضرر.

والله أعلم.