السؤال:

ما حكم شراء أسهم عادية لشركة مساهمة تعمل في مجال الحلال، ولكن تقترض من البنوك بفائدة لتمويل عملياتها المختلفة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،  وبعد..

 فقد اختلف الفقهاء في شراء أسهم شركات تودع أموالها في بنوك ربوية أو تمول مشروعاتها عن طريق قروض ربوية، فهناك من ذهب إلى القول بحرمة شراء أسهم هذه الشركات مطلقا، وهناك من ذهب إلى القول بجواز شراء أسهم هذه الشركات ولكن بشرط ألا  تزيد تعاملاتها الربوية عن 20%  مع وجوب تطهير الأرباح المكتسبة من الأسهم التي فيها نسبه حرام ..

يقول فضيلة الدكتور حسين شحاتة – الأستاذ بجامعة الأزهر- :

أولاً: حكم التعامل في الأسهم العادية:

أجاز الفقهاء والمجامع الفقهية التعامل في الأسهم العادية إذا كانت الشركة المصدرة للأسهم تعمل في مجال الحلال الطيب، وأن معاملاتها خالية من الربا والغش والاحتكار والتدليس والغرر والجهالة والميسر، وكل صور أكل أموال الناس بالباطل، ولا يجوز التعامل في أسهم شركات تعمل في مجال الحرام الخبيث.

ثانياً : حكم التعامل بالأسهم العادية لشركات لا تعمل في الحرام ولكن تتعامل بالربا مثل الحصول على قروض من البنوك بفائدة:

يكيف الفقهاء تعامل  مثل هذه الشركات على: اختلاط الحلال بالحرام، فأصل النشاط حلال، ولكن اختلط بالحرام : ومن آراء الفقهاء في هذا الخصوص ما يلي :

الرأي الأول :تجنب التعامل في أسهم الشركات التي اختلط فيها الحلال بالحرام: ومن أدلتهم: قول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام” (رواه مسلم)، وقوله –صلى الله عليه وسلم-: ” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك” .

الرأي الثاني:يجوز التعامل في أسهم الشركات التي اختلط فيها الحلال بالحرام عند الضرورة إذا كانت

 نسبة الحرام قليلة(يسيرة)، واجتهد بعضهم بأن لا تزيد نسبة الحرام عن 20 %، وأن هناك حاجة لشراء

أسهم مثل هذه الشركات من أجل الإصلاح والتطوير إلى الحلال، ويؤيد هذا الرأي الدكتور يوسف

القرضاوي. أما إذا كانت نسبة الحرام عالية أكثر من النسبة المقترحة وهى 20 % فلا يجوز التعامل بها.

ويجب تطهير الأرباح المكتسبة من الأسهم التي فيها نسبه حرام قليلة من ذلك الحرام، بإنفاقه في وجوه

الخير حسب النسبة .

مثال توضيحي:

– شركة مساهمة قيمة حقوق الملكية (رأس المال والاحتياطيات) 2 مليار جنيه.

– وقيمة الأموال المقترضة من البنوك بفائدة                          4 مليار جنيه.

– نجد قيمة التمويل بالقروض بفائدة ضعف قيمة التمويل الحلال، وفى هذه الحالة لا يجوز شراء أسهم هذه الشركة؛ لأن أغلب تمويلها بالقروض بفائدة (ربا).

– لو فرض شركة مساهمة أخرى، قيمة حقوق الملكية 2 مليار جنيه وقيمة القروض بفائدة من البنوك مبلغ  300000جنيه، أي حوالي 15 % وهناك ضرورة لهذا الاقتراض، ففي مثل هذه الحالة نجد أن نسبة الحرام لا تزيد عن 15 % أي نسبة يسيرة فلا حرج، وهنا يجب تطهير الربح المكتسب من نسبة ما فيه من حرام.

كيف نحسب نسبة الحرام ؟

هناك طرق محاسبية كثيرة يمكن للمحاسبين استخدامها لحساب نسبة الحرام من هذه الطرق على سبيل المثال ما يلي :

1- طريقة تحليل هيكل التمويل :

يتكون هيكل التمويل من جزأين ثابتين أساسيين هما :

– التمويل الذاتي: ويتمثل في رأس المال والاحتياطات والأرباح غير الموزعة.

– التمويل الخارجي : ومن أهم مصادره الاقتراض من الغير بفائدة.

– إجمالي حجم التمويل = التمويل الذاتي + التمويل الخارجي

فرضاً بالأرقام  5 مليار =  4 مليار  +1 مليار

– حجم التمويل الخارجي إلى إجمالي التمويل = 1/5  × 100 % = 20 %

2- طريقة تحليل الإيرادات :

تتكون الإيرادات من مصدرين أساسيين هما :

– الإيرادات الحلال من النشاط الحلال             فرضاً   10 مليار

– الإيرادات الحرام من النشاط الحرام فرضاً       2.5 مليار

– نسبة الحرام إلى الإجمالي =  2.5  × 100  على 12.5 تساوي 20 %

  خلاصة الرأي والنصيحة :

يجب على من يرغب التعامل في شراء أسهم لشركات يختلط فيها الحرام بالحلال، عليه أن يحسب نسبة الحرام إلى الإجمالي، فإذا قلت النسبة عن اليسير والذي قدره بعض الفقهاء بنسب تتراوح بين 15 – 20 % حسب ظروف الزمان والمكان، فلا حرج من التعامل، ويجب تطهير الربح الذي اختلط بالحرام من نسبة الحرام بإنفاقه في وجوه الخير، أما إذا ذادت نسبة الحرام عن النسبة المقترحة  فلا يجوز التعامل بالأسهم.

ويجب  أن يستشعر المتعامل  قول الله تبارك وتعالى : “لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث”، وقول الرسول – صلى الله عليه وسلم- : ” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ” وكان صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يتركون تسعة أبواب من الحلال خشية الوقوع في باب واحد من الحرام. أ . هـ

قرار المجمع الفقهي بشأن التعامل مع هذه الأسهم

إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت 20 من شعبان 1415هـ -21/1/1995م؛ قد نظر في هذا الموضوع وقرر ما يلي:

1- بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمر جائز شرعًا.

2- لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها.

3- لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك.

4- إذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا، ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.

والتحريم في ذلك واضح، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا، لأن السهم يمثل جزءًا شائعًا من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيب منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه، والتوكيل بعمل المحرم لا يجوز.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.

ويقول الأستاذ الدكتور علي القره داغي رئيس قسم الشريعة بجامعة قطر :

اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التعامل في الأسهم للشركات التي تكون أنشطتها حلالاً؛ ولكن تتعامل مع البنوك الربوية إقراضا واقتراضا على رأيين:

الرأي الأول : أن هذا التعامل حرام لا يجوز.

الرأي الثاني: أنه جائز؛ ولكن بالشروط والضوابط الآتية:-

1ـ ألا تكون نسبة الديون على الشركة وسيولتها النقدية تزيد عن 50% من رأس مال الشركة.ـ

2ـ ألا تكون نسبة القروض للشركة تزيد عن 30%.ـ

3ـ ألا تكون نسبة الفوائد إلى الأرباح تزيد عن 10%.ـ

4ـ أن يتخلص من نسبة الفوائد عند بيع الأسهم.ـ

5ـ أن تكون هناك رقابة دقيقة على هذه الشركات التي يتعامل بأسهمها من حيث التعرف على ديونها وقروضها.ـ

ويقول الشيخ حامد العطار الباحث الشرعي بالموقع :-

الشركات التي تطرح أسهمها بالبورصة  على ثلاثة أنواع:

النوع الأول:أسهم شركات ملتزمة بالإسلام مثل البنوك الإسلامية، و شركات التأمين الإسلامية، فهذا لا خلاف في جواز المساهمة فيها وتداول أسهمها بالبيع والشراء، بعد ما تتحول موجودات هذه الأسهم إلى أصول ومنافع بنسبة أكثر من خمسين بالمائة.

النوع الثاني:أسهم شركات أصل نشاطها محرم أساساً، مثل شركات الخمور و الخنازير والبنوك الربوية ، وشركات التأمين التجارية، وشركات الإنتاج الإعلامي على وضعها الحالي ، وشركات الملاهي المحرمة،  فهذه الشركات لا يجوز المساهمة فيها بالإجماع ولا التعامل معها.

والنوع الثالث:أسهم شركات أصل نشاطها حلال، مثل شركات السيارات والاتصالات والتقنيات والتجارة العامة و الزراعات و الصناعات وغيرها من الأنشطة المباحة، ولكن قد يدخل عليها الحرام عن طريق التعامل بالفوائد أخذا وعطاء.

فهذه محل خلاف بين الفقهاء على النحو التالي :-

الاتجاه الأول :-يرى حرمة شراء أسهم هذا النوع من الشركات ، وممن ذهب إلى ذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني، وعدد من الفقهاء المعاصرين.

وقضى بذلك المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في نص صريح ، جاء فيه : ” لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك  ”

كما قضى بذلك مجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة من حيث الأصل، فجاء فيه: ” الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربـا ونحـوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة  ”

ولكن هل يجوز الخروج عن هذا الأصل لحاجة أو غيرها؟ هذا ما لم يبينه المجمع حتى الآن برغم من مناقشته المسألة في دورتين لاحقتين على ذاك القرار.

الاتجاه الثاني : -يرى جواز شراء هذه الأسهم بشروط وضوابط معينة، وممن يمثل هذا الاتجاه الشيخ القرضاوي ، والدكتور علي محيي الدين القره داغي ، والهيئة الشرعية لشركة الراجحي، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني ، والمستشار الشرعي لدلة البركة ، وندوة البركة السادسة .

ونسوق هذه الضوابط كما جاءت في أحد  قرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي، فقد كان قرارها أوضح ما يمثل هذا الاتجاه، وإليك نص القرار:-

“يجب أن يراعى في الاستثمار والمتاجرة في أسهم هذا النوع من الشركات المساهمة الضوابط التالية:

ـ إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك.

ـ ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا- سواء أكان قرضًا طويل الأجل أم قرضًا قصير الأجل- (25%)([1]) من إجمالي موجودات الشركة، علمًا أن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه.

ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم (5%) ([2]) من إجمالي إيراد الشركة، سواء أكان هذا الإيراد ناتجًا عن الاستثمار بفائدة ربوية أم عن ممارسة نشاط محرم أم عن تملك المحرم أم عن غير ذلك ([3])

وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعي في ذلك جانب الاحتياط.

ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم- استثمارًا كان أو تملكًا لمحرم- نسبة (15%) من إجمالي موجودات الشركة.

والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء”.

والله أعلم .

[1] – بعض أصحاب هذا الاتجاه أوصلها إلى (30) %.

[2] – بعض أصحاب هذا الاتجاه أوصلها إلى (10) %.

[3] – بعض أصحاب هذا الاتجاه ( مثل هيئة البركة) يقصر الجواز على ما إذا كان النشاط المحرم  عبارة عن الإيداع الربوي فقط بالنسبة المحددة، ولا يتسامح في بقية ألأنشطة المحرمة مهما قلت النسبة