السؤال:

ما حكم شراء سيارة عن طريق المرابحة من بنك البركة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الأخ الفاضل!

أولا : بنك البركة بنك إسلامي فعلا، وإذا حدث منه تجاوزات فهي أخطاء موظفين.

ثانيا : العبرة في النهاية ليست بالأسماء، ولكن بطريقة التعامل، فإذا كانت المعاملة صحيحة فهي جائزة سواء أكانت في بنك إسلامي أو ربوي، وإذا شاب المعاملة شيء فهي محرمة سواء تمت في البنوك الإسلامية أو الربوية.

ثالثا : البنك الإسلامي لا يقوم بإقراض الناس بفائدة، ولكنه يتعامل معهم من خلال عقود مشروعة.. أبرزها بيع المرابحة للآمر بالشراء.

رابعا : إذا أراد البنك أن يبيع لك السيارة عن طريق ببيع المرابحة، فلهذا البيع خطوات لا بد أن تمر من خلالها حتى تكون الصورة مشروعة، وإلا كانت مجرد تمويل ربوي.

وإليك هذه الخطوات :
أ- طلب من العميل يقدمه للمصرف الإسلامي لشراء سلعة موصوفة.

ب- قبول من المصرف لشراء السلعة الموصوفة.

ج- وعد من العميل لشراء السلعة الموصوفة من المصرف بعد تملك المصرف لها.

د- وعد من المصرف ببيع السلعة الموصوفة للعميل وقد يكون الوعد لازماً أو غير لازم.
هـ- شراء المصرف للسلعة الموصوفة نقداًَ.

و- بيع المصرف للسلعة الموصوفة للعميل بأجل مع زيادة ربح متفق عليها بين المصرف والعميل. انتهى.
فإذا قبل البنك بأن يبيع لك السيارة مرورا بهذه الخطوات فلا مانع من ذلك شرعا إسلاميا كان البنك أو غيره.

والذي نحب أن نبينه لك الآتي :

أن هذه الخطوات لا بد أن تكون مرتبة، وليس شرطا أن تتم من خلال عقود مكتوبة، فلا مانع من المرور بها شفويا، على أن تكون الخطوة الأخيرة هي بيع السيارة بعد أن يتملكها البنك بالفعل.
فإذا أعطاك البنك المال بيدك على أن تشتري به السيارة التي تريد فهذا لا يجوز، ويكون صورة ربوية.

غير أنه يجوز أن يوكلك البنك في شراء السيارة لصالح البنك بعقد وكالة، وبعد أن تشتريها لصالح البنك تأتي وتحضرها للبنك، وبعد ذلك يقوم البنك ببيعها لك بعد أن تكون قد اشتريتها أنت بالوكالة عنه، وهذه الصورة يجوزها بعض الفقهاء غير أننا لا ننصح بها، ولا ندعو إليها لما فيها من معنى الصورية.

خامسا : يجب أن تكون هذه الأرباح المئوية غير منصوص عليها بالعقد مفصولة عن الربح، ولكن لا مانع من أن تتفاهم مع مندوب البنك بهذه الطريقة دون أن يسجل ذلك في العقد، أعني أن حساب الربح بالنسبة المئوية لا شيء فيه شرعا، بشرط أن يتفق البنك والبائع على مدة زمنية معينة للتقسيط عند التعاقد، ولا يتركا ذلك للمشيئة والظروف بعد العقد.

فإذا قال لك البنك : أريد أن أربح في الشهر كذا، واقض كيف شئت فعليك أن تختار من هذه اللحظة المدة الزمنية، ولا يجوز تعديلها بعد العقد، وإلا كان الأمر مجرد صورة ربوية.
سادسا : أما عن الشروط المذكورة، فلا مانع من اشتراط البنك عليك أن تدفع جزءا من قيمة السيارة، ولا مانع من التأمين إذا كان لدى الشركات الإسلامية، أو لدى الشركات التقليدية عند الضرورة، وأما اشتراط دفع غرامة تأخير فهذا ما لا نوافق البنك عليه، وقد صدر قرار مجمعي بشأن تحريم التنصيص على اشتراط غرامة تأخير.

فقد جاء في قرارا مجمع الفقه الإسلامي الدولي :

“إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم”.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي مبينا مسألة بيع المرابحة في صورة مثال عملي :

أريد أن أصور المسألة تصويراً مبسطاً في صورة واقعة عملية، ليمكن إصدار الحكم فيها بعد تصورها.
ذهب زيد من الناس إلى المصرف الإسلامي وقال له : أنا صاحب مستشفى لعلاج أمراض القلب، وأريد شراء أجهزة حديثة متطورة لإجراء الجراحات القلبية، من الشركة الفلانية بألمانيا أو بالولايات المتحدة.
وليس معي الآن ثمنها، أو معي جزء منه ولا أريد أن ألجأ إلى البنوك الربوية لأستلف عن طريقها ما أريد وأدفع الفائدة المقررة المحرمة، فهل يستطيع المصرف الإسلامي أن يساعدني في هذا الأمر دون أن أتورط في الربا؟ هل يستطيع المصرف أن يشتري لي ما أريد بربح معقول على أن أدفع له الثمن بعد مدة محددة، فأستفيد بتشغيل مستشفاي، ويستفيد بتشغيل ماله، ويستفيد المجتمع من وراء ذلك التعاون؟

قال مسئول المصرف : نعم يستطيع المصرف أن يشتري لك هذه الأجهزة بالمواصفات التي تحددها، ومن الجهة آلتي تعيَّنها ، على أن تربحه فيها مقداراً معيناً أو نسبة معينة، وتدفع في الأجل المحدد، ولكن البيع لا ينعقد إلا بعد أن يشتري المصرف الأجهزة المذكورة ويحوزها بالفعل بنفسه أو عن طريق وكيله، حتى يكون البيع لما ملكه بالفعل، فكل ما بين المصرف وبينك الآن تواعد على البيع بعد تملك السلعة وحيازتها.

قال العميل : المصرف إذن هو المسئول عن شراء الأجهزة المطلوبة ودفع ثمنها ونقلها و شحنها، وتحمل مخاطرها، فإذا هلكت هلكت على ضمانه وتحت مسئوليته، وإذا ظهر فيها عيب بعد تسلمها يتحمل تبعة الرد بالعيب، كما هو مقرر شرعاً.
قال المسئول : نعم بكل تأكيد. ولكن الذى يخشاه المصرف أن يحقق رغبتك، ويجيبك إلى طلبك بشراء الأجهزة المطلوبة، فإذا تم شراؤها و إحضارها، أخلفت وعدك معه. وهنا قد لا يجد المصرف من يشتري هذه السلعة منه لندرة من يحتاج إليها، أو قد لا يبيعها إلا بعد مدة طويلة، وفي هذا تعطيل للمال، وإضرار بالمساهمين والمستثمرين الذين ائتمنوا إدارة المصرف على حسن تثميرها لأموالهم.
قال العميل صاحب المستشفى : إن المسلم إذا وعد لم يخلف، وأنا مستعد أن أكتب على نفسي تعهداً بشراء الأجهزة بعد حضورها بالثمن المتفق عليه الذى هو ثمن الشراء مع المصاريف والربح المسمى مقداراً أو نسبة كما أني مستعد لتحمل نتيجة النكول عن وعدي، لكن ما يضمن لي ألا يرجع المصرف عن وعده إذا ظهر له عميل يعطيه أكثر، أو غلت السلعة المطلوبة في السوق غلاء بيناً ؟
قال المسئول : المصرف أيضاً ملتزم بوعده، ومستعد لكتابة تعهد بهذا، وتحمل نتيجة أي نكول منه.
قال العميل : اتفقنا.
قال المسئول : إذن نستطيع أن نوقع بيننا على هذا، في صورة طلب رغبة ووعد منك بشراء المطلوب، ووعد من المصرف بالبيع. فإذا تملك المصرف السلعة وحازها وقعنا عقداً آخر بالبيع على أساس الاتفاق السابق.
هذه هي الصورة آلتي اشتهر تسميتها باسم (بيع المرابحة للآمر بالشراء ) وهي التي ثار حولها الجدل ، وكثر القيل و القال .
وهذه الصورة إذا حللناها إلى عناصرها الأولية، نجدها مركبة من وعدين : وعد بالشراء من العميل الذى يطلق عليه : الآمر بالشراء. ووعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة (أي بزيادة ربح معين المقدار أو النسبة على الثمن الأول، أو الثمن والكلفة) وهذا هو المقصود بكلمة المرابحة هنا.
وقد اختار المصرف والعميل كلاهما الالتزام بالوعد، وتحمل نتائج النكول عنه. كما تتضمن الصورة : أن الثمن الذى اتفق عليه بين المصرف والعميل ثمن مؤجل، والغالب أن يراعى في تقدير الثمن مدة الأجل، كما يفعل ذلك كل من يبيع بالأجل.
هذه هي عناصر العملية آلتي اشتهرت باسم “بيع المرابحة”، وأنا لا أقف عند التسمية كثيراً؛ لأنه لا عبرة بالأسماء إذا وضحت المسميات، فمن حقنا أن نطلق عليها إن شئنا اسماً جديداً، وأن نعتبرها بمجموع عناصرها صورة جديدة من معاملات هذا العصر فهي ليست أكثر من مُوَاعَدَة على البيع لأجل معلوم، بثمن محدد، هو ثمن الشراء مضافاً إليه ربح معلوم، تزيد نسبته أو مقداره عادة كلما طال الأجل، ولكنه ثمن معلوم من أول الأمر. انتهى.

والله أعلم.