السؤال:

فضيلة الشيخ:-  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:-  أرجو من سيادتكم إفادتي في سؤالي الآتي :  كنت أعمل بشركة وكان صاحب الشركة يخرج فضلات قماش ويبعها لبعض التجار مع العلم بأن هذه الفضلات من القماش ليس من حقه التصرف فيها ؛ لأنها تخص العملاء ،إلا أنني ومع بعض الأشخاص كنا نخرج هذه الفضلات للأشخاص المصرح لهم شراؤها وكنا نلعب في الأمتار والميزان مقابل دفع مبلغ من المال نأخذه لنا، غير أننا كنا نأخذ ساعات إضافية ليست من حقنا إلا أنني تبت وندمت.  وقد قمت بحساب مرتبي خلال الفترة التي عملت بها بالشركة وما صرفته وما المفروض أن يتبقى معي فوجدت زيادة في المبلغ، فقلت في نفسي : إن هذا المال تقريبا هو المال الحرام- والله أعلم- نظرا لاختلاطه بالمال الحلال . ولي أخ يتيم فسألت أن أبني له شقة بهذا المال وبعض الشيوخ أجاز ذلك إلا أنني لم أسترح فقررت إرسال هذا المال إلى صاحب الشركة لكي يطمئن قلبي.  وبالفعل أرسلت له المال فعرف أن المال مني بسبب شخص قال له، واتصل بي على الهاتف ،وكنت خائفا جدا ؛ لأنه رجل شديد،فقلت له سامحني، وهذا تقريبا ما يخص المال الحرام الذي أخذته من تلاعب أثناء عملي بالشركة فطلب منى طلبا صعبا جدا ،  قال لي : " من الذي كان معك، فقلت له : " كان معي كثيرون، فقال لي: أخبرني عنهم جميعا فرفضت لأن هؤلاء الأشخاص حاليا يعملون بالشركة وممكن أن يقطع أرزاقهم، وممكن أن يعمل أي شيء أخر . فقال لي : لن أسامحك حتى تخبرني بالأسماء، فقلت له : " صدقني لقد انتهى هؤلاء الأفراد عن تلك الممارسات،  فرفض وصمم أن يعرف من هؤلاء الناس؟  فضيلة الشيخ: إذا أخبرته فإني أخشى عاديته عليهم مع أنهم تابوا عن ذلك، وفي الوقت نفسه أخاف من عدم عفوه عني ، فماذا أفعل ؟؟؟؟  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

نحمد الله أن أيقظ قلبك، وجدد إيمانك فاستشعرت بما كنت عليه من خطر، ونحمد الله أن هداك لهذه التوبة، فاستمسك بها، واستعن بالله، ولا تعجز، وإليك الجواب عن سؤالك:-
1-قلت : إن صاحب العمل كان يأخذ الفضلات الخاصة ببعض العملاء وينتفع هو بها مع أنها ليست من حقه، وهذا أمر بعيد يصعب تصوره، فلماذا سكت أصحاب هذه الفضلات عنها طوال هذا الوقت ، وهل يترك الإنسان حقوقه طوال هذا الوقت. فأغلب الظن أن يكونوا تركوها لعدم فائدتها بالنسبة لهم، أو لغير ذلك من الأسباب، ولذلك نتعامل معها على أنها ملك لصاحب المصنع.
2- قد أحسنت إذ لم تلتفت لمن قال لك بجواز إنفاق هذه الأموال على اليتامى، لأنها أموال حرام يجب أن ترد إلى أصحابها طالما أنهم موجودون معروفون، ولا يجوز التخلص من هذه الأموال في جهات الخير إلا إذا جهل أصحابها.
3- وبما أنك رددت إليه ما يغلب على ظنك أنه كان حراما فقد برئت ذمتك سواء سامحك أم لم يسامحك، فقد أخذ ماله، ولم يعد له ما تحتاج أن يسامحك من أجله، ولكن كان يمكن له أن يشترط عليك ما يشاء لو أنك طلبت منه المسامحة دون أن تعطيه أمواله.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة : (من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوما لا دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئآت صاحبه فجعلت عليه). وأنت قد تحللت بردك إياه ما استلبته منه، فلم يعد من حقه أن يشترط عليك شيئا.
4- أما حكم إبلاغك عمن سرقوا هذا الرجلمن قبل فإن كانوا لا يزالون يختلسون، ويسرقون فالإبلاغ عنهم أولى، ويحسن بك أن تنذرهم قبل الإبلاغ فمن أقلع منهم عن هذه الممارسات فلا تبلغ عنه، ومن تمادى في غيه فأبلغ عنه.
وأما إذا كانوا قد تابوا وانتهوا عن هذه الممارسات فالأفضل عدم الإبلاغ عنهم.
5- وعليك أن تطالبهم برد المسروقات إلى أصحابها، وتعظهم بذلك حتى يتوبوا إلى الله تعالى. وإذا أصروا على عدم رد المسروقات مع قدرتهم على ردها، وطلب منك صاحب العمل أن تشهد عليهم كان شهودك عليهم مطلوبا حتى لو تابوا طالما أنهم معاندون في رد الحق مع قدرتهم على الرد ، أما إذا كانوا لا يقدرون على ردها، وحسنت توبتهم فقد يكون السكوت أفضل.

قال الشربيني الشافعي صاحب مغني المحتاج عن حكم الستر عن الحدود كالزنا والسرقة:-
والمستحب ستره إذا رأى المصلحة فيه .انتهى.
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:-
ذكر العز بن عبد السلام تفصيلا خلاصته أن الزواجر نوعان : –
النوع الأول :ما هو زاجر عن الإصرار على ذنب حاضر ، أو مفسدة قائمة لا إثم على فاعلها وهو ما قصد به دفع المفسدة الموجودة ويسقط باندفاعها .
النوع الثاني :ما يقع زاجرا عن مثل ذنب ماض انتهى، أو عن مثل مفسدة ماضية منصرمة ولا يسقط إلا بالاستيفاء وهو نوعان:-
أحدهما :ما يجب إعلام مستحقه ليبرأ منه أو يستوفيه ، وذلك كالقصاص في النفوس والأطراف وكحد القذف ، فإنه يلزم من وجب عليه أن يعرف مستحقه ليستوفيه أو يعفو عنه .

النوع الثاني :ما الأولى بالمتسبب إليه ستره كحد الزنى والخمر والسرقة .

ثم قال : وأما الشهود على هذه الجرائم، فإن تعلق بها حقوق العباد لزمهم أن يشهدوا بها وأن يعرفوا بها أصحابها وإن كانت زواجرها حقا محضا لله.
فإن كانت المصلحة في إقامة الشهادة بها ، فيشهدوا بها مثل أن يطلعوا من إنسان على تكرر الزنى والسرقة والإدمان على شرب الخمور وإتيان الذكور فالأولى أن يشهدوا عليه دفعا لهذه المفاسد .

وإن كانت المصلحة في الستر عليه مثل زلة من هذه الزلات تقع ندرة من ذوي الهيئات ثم يقلع عنها ويتوب منها فالأولى أن لا يشهدوا { لقوله صلى الله عليه وسلم لهزال : يا هزال لو سترته بردائك كان خيرا لك } وحديث : { وأقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم } وحديث : { من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة }.
وقال ابن مفلح الحنبلي : وأما إذا كان مصرا على المحرم لم يتب ، فهذا يجب إنكار فعله الماضي وإنكار إصراره .انتهى.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في موضع آخر منها:-
أداء الشهادة فرض كفاية ; لقول الله تعالى : { وأقيموا الشهادة لله } , وقوله : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) , فإذا تحملها جماعة وقام بأدائها منهم من فيه كفاية سقط الأداء عن الباقين , لأن المقصود بها حفظ الحقوق وذلك يحصل ببعضهم .
وإن امتنع الكل أثموا جميعا لقول الله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } , ولأن الشهادة أمانة فلزم الأداء عند الطلب . وقد يكون أداء الشهادة فرض عين إذا كان لا يوجد غيره ممن يقع به الكفاية , وتوقف الحق على شهادته فإنه يتعين عليه الأداء ; لأنه لا يحصل المقصود إلا به .
إلا أنه إذا كانت الشهادة متعلقة بحقوق العباد وأسبابها أي في محض حق الآدمي , وهو ما له إسقاطه كالدين والقصاص فلا بد من طلب المشهود له لوجوب الأداء , فإذا طلب وجب عليه الأداء , حتى لو امتنع بعد الطلب يأثم , ولا يجوز له أن يشهد قبل طلب المشهود له ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { خير الناس قرني , ثم الذين يلونهم , ثم الذين يلونهم , ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد } . ولأن أداءها حق للمشهود له , فلا يستوفى إلا برضاه .

وإذا لم يعلم رب الشهادة بأن الشاهد تحملها استحب لمن عنده الشهادة إعلام رب الشهادة بها .
وإذا كانت الشهادة متعلقة بحقوق الله تعالى , وفيما سوى الحدود , كالطلاق والعتق وغيرها من أسباب الحرمات فيلزمه الأداء حسبة لله تعالى عند الحاجة إلى الأداء من غير طلب من أحد من العباد .
وأما في أسباب الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر فالستر أمر مندوب إليه ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة } , ولأنه مأمور بدرء الحد . وصرح الحنفية بأن الأولى الستر إلا إذا كان الجاني متهتكا , وبمثل ذلك قال المالكية .

والله أعلم .