السؤال:

هل يعتبر اللجوء إلى التحكيم الإسلامي في مسائل النزاعات المدنية والتجارية بين المسلمين بدلاً من اعتماد القوانين الوضعية هو على سبيل الوجوب أم الاختيار؟
أرجو منكم التفضّل ببيان الحكم الشرعي لهذه المسألة مع بيان الأدلّة.؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فاللجوء للتحكيم لفض المنازعات الأصل فيه الجواز متى تراضى طرفا النزاع، وفي البلاد التي تطبق فيها الشريعة الإسلامية لا يخرج التحكيم عن دائرة الجواز، ويجب على طرفي النزاع اللجوء إلى التحكيم إذا كان القانون الذي يحكم النزاع يخالف أحكام الشريعة الإسلامية متى كان القانون يسمح بفض النزاع عن طريق التحكيم ، وفي الأحوال التي يكون اللجوء فيها إلى القضاء جبرا فلا يجوز لصاحب حق أن يأخذ ما زاد على حقه حتى وإن قضي له بذلك فالقضاء لا يحل حراما ولا يحرم حلالا..

يقول سماحة المستشار فيصل مولوي –نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث-:
التحكيم عند جميع الفقهاء والمذاهب عقد جائز من حيث الأصل. وسبب ذلك أنّ المسلمين كانوا يعيشون في دولة إسلامية تطبق الأحكام الشرعية، فإذا لم يلجئوا للتحكيم، فإنهم مضطرون للرجوع إلى المحاكم التي تطبّق عليهم الأحكام الشرعية.
والأمر اليوم مختلف – خاصة في لبنان- لأنّه إذا وقع خلاف بين اثنين من المسلمين في مسألة مدنية أو تجارية، فإنها تحلّ بحسب القضاء اللبناني الذي يطبّق القوانين اللبنانية وفيها كثير من المخالفات الشرعية.
فإذا كان المواطن اللبناني المسلم ملزماً بهذه القوانين فلا كلام لنا في هذه الحالة لأنّه يكون مضطراً، والضرورات تبيح المحظورات، وهي تقدّر بقدرها.
لكن إذا كان القانون اللبناني نفسه يسمح للمواطنين باللجوء إلى التحكيم في بعض المسائل- كالنزاعات المدنية والتجارية-، وإذا كان من الممكن للطرفين المتنازعين – قبل النزاع أو بعده- الاتفاق على تحكيم الشريعة الإسلامية، ويكون القرار التحكيمي الصادر قابلاً للتنفيذ لدى الدوائر اللبنانية. فإن اللجوء إلى التحكيم الإسلامي في هذه الحالة يكون واجباً شرعياً عند جميع الفقهاء والمذاهب لأنّ المسلم في هذه الحالة مخيّر بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية. ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يختار القانون الوضعي . والقرآن الكريم حاسم في ذلك:

– قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به..) سورة النساء الآية 60.

– وقال تعالى:  (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون..) سورة النور الآية: 48.

– وقال تعالى: (.. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا..) سورة النور الآية 51.

– وقال تعالى:  (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً) سورة النساء الآية 65.

والله أعلم.