السؤال:

ما حكم الإعلان في المسجد عن المفقودات؟ هل يدخل في النهي عن نشدان الضالة؟ أرجو بيان الحكم في حالة من يجد شيئاً فيطلب صاحبه؟  

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يقول الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الشبل: عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
فمن فقد شيئاً فإنه لا يجوز له أن يعلن عنه في المساجد؛ لأن المساجد لم تبنَ لذلك، وقد قال –صلى الله عليه وسلم- “من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا” رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله (568).
ولكن يجوز له أن يعلن عنها خارج المسجد، كما لو أعلن على جدار المسجد الخارجي.
وكذلك من وجد شيئاً فإنه لا يعلن عنه في المسجد، وإنما يعلن عنه خارج المسجد وعلى أبواب المسجد.
وأمَّا بالنسبة لحكم اللقطة التي يجدها الإنسان ولا يعرف صاحبها، فإن كان الإنسان يعلم من نفسه الأمانة إذا أخذها والقوة على تعريفها فإنه يستحب له التقاطها اللقطة لإيصالها لصاحبها؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على تعاون المسلمين فيما بينهم والإحسان والبر للناس، ومن ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم-: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”. رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر (2699) عن أبي هريرة –رضي الله عنه-.
أما إن كان هذا المال في مكان مخوف، -كأن يكون في مكان يكثر فيه اللصوص، أو في أرض مهلكة أو أرض كثيرة السباع، أو مكان لا يتورع أهله من أخذ هذا المال وعدم إرجاعه لصاحبه-، فإنه يجب على من يجده في هذه الحال أخذه إذا استطاع ذلك؛ لأنه من حفظ المال الذي أمرنا به، ولكن لا يجب عليه أن يتولى تعريف هذا المال، بل له أن يعطيه من يثق به ليعرفه، وله أن يعطيه الجهات المسؤولة عن حفظ هذه الأموال وإرجاعها إلى أصحابها.

أنواع المال الملتقط وحكم كل نوع:
النوع الأول: المال الذي يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، كما يفعله بعض الناس من رمي لبعض الأثاث القديم، أو ترك بعض الأغراض في البرية بعد الاستغناء عنها، فهذا يجوز أخذه ولا يجب تعريفه؛ لأن أصحابه تركوه رغبة عنه، فهم لا يريدونه، فتعريفه لا فائدة منه، والدليل على ذلك قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيَّبوها فأخذها فأحياها فهي له”. رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب فيمن أحيا حسيراً (3524).
وإذا شكّ في هذا المال هل تركه أصحابه رغبة عنه أو لم يتركوه رغبة عنه، فالأصل أنهم لم يتركوه رغبة عنه، ويكون من النوع الثالث الذي سيأتي ذكره.
النوع الثاني: المال الذي لا تتبعه همة أوساط الناس، كالأقلام الرخيصة و الريال والخمسة والعشرة، فهذا النوع يجوز أخذه ولا يجب تعريفه ـ ما لم يكن صاحبه معروفاً فيجب رده إليه، كأن يسقط قلم صاحبك أو يسقط شيئاً لجارك فترده إليه ـ والدليل على ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم- في التمرة التي وجدها ساقطة: “لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها. رواه البخاري، في كتاب اللقطة، باب إذا وجد تمرة في الطريق (2431)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (1071) عن أنس بن مالك –رضي الله عنه-.
ووجه الدلالة من الحديث أن التمرة مما لا تتبعه همة أوساط الناس، والنبي –صلى الله عليه وسلم- لم يمنعه من أكلها إلا خوفه من كونها صدقة، فلو لم تكن صدقة لأكلها ولم يعرفها.
ومما يشار إليه هنا أن حديث جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- قال: رخص لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به، الذي رواه أبو داود،كتاب اللقطة، باب التعريف باللقطة (1717)، حديث في إسناده ضعف.
والمقصود بأوساط الناس: أوساط الناس خلقاً ومالاً، فلا عبرة بالبخيل ولا بالمفرِّط في أمواله، كما أنه لا عبرة بالفقير ولا بشديد الغنى، فالعشرة من الريالات إذا فقدها أحد من أوساط الناس لا يهتم بها، لكن لو فقدها فقير فإنه يهتم بها لأنها تضره، وكذلك لو فقدها بخيل فإنه يحزن لذلك ويبحث عنها بحثها طويلاً، وأما الألف فلو فقدها أحد من أوساط الناس فإنه سيبحث عنها، ولكن لو فقدها شخص مضيّع لأمواله فإنه لا يبالي بها، وكذلك لو فقدها من عنده أموال كثيرة فإنه لا يأبه بها.
النوع الثالث: المال الذي لم يتركه أصحابه، وتتبعه همة أوساط الناس، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: البهائم، والبهائم لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن تكون مما يمتنع من صغار السباع كالذئاب ونحوها، مثل: الإبل والخيل.
وهذه الحيوانات لا يجوز أخذها، بل تترك حتى يجدها صاحبها.
الحال الثانية: أن تكون مما لا يمتنع من صغار البهائم، مثل: الغنم والدجاج.
وهذه الحيوانات يجوز لمن يجدها أن يأخذها ويتملكها إن كان لا يعرف صاحبها.
القسم الثاني: الأموال من غير البهائم، كالنقود والمجوهرات والأثاث.
وهذا النوع يجوز التقاطه، ولكن على من التقطه أن يقوم بما يلي:
1. يضبط صفاته جيداً، فلو وجد محفظة فإنه يقوم بضبط صفات هذه المحفظة، بأن يضبط لونها وكم فيها من الأموال؟ والبطاقات التي في المحفظة، ونحو ذلك من الصفات التي لا يعرفها في الغالب إلا صاحبها.
2.  يعرِّفها سنة في مجامع الناس، أي يقوم بالإعلان عن هذا المال المفقود في الأماكن التي يجتمع فيها الناس، والتعريف يختلف باختلاف المال والمكان والزمان، فمن وجد محفظة ضائعة في العمل فإنه يعلن عنها في العمل، ومن وجد حقيبة نسائية ساقطة في السوق فإن تعريفها سيكون في هذا السوق أو في الصحف المحلية وما شابه ذلك، ولكن في التعريف لا يذكر صفات المال الضائع كلها، بل يذكر ما يشير إلى هذا المال، فمن وجد محفظة فإنه يقول: إني وجدت محفظة في المكان الفلاني، فمن كانت له فليراجعني، ولا يقول: فيها كذا وكذا من المال؛ لئلا يأتي من لا يخاف الله، فيقول: هي لي، وهو كاذب في ذلك.
3. إذا جاءه من يصف هذا المال خلال هذه السنة فإنه يدفع له المال.
4. إن لم يأته صاحب هذا المال بعد تعريفه سنة فإنه يجوز له أن يتملك هذا المال، لكن متى ما جاء صاحبه يوماً من الدهر فإنه يدفع له هذا المال، وأما إن لم يأته فإن المال يكون للملتقط.
5. إن كان المال مما يفسد أو تكون نفقة حفظه كبيرة كالخضروات والفواكه فإنه يجوز له أن يأكل هذا المال بعد أن يعرف صفاته، ويجوز له أن يبيعه ويحفظ ماله لصاحبه، فمتى ما جاء صاحبه خلال سنة فإنه يدفع له قيمة هذا الطعام، وإلا فإنه لا شيء عليه.
والدليل على ما تقدم حديث زيد بن خالد الجهني – رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فسأله عن اللقطة، فقال: “اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها”، قال: فضالة الغنم؟ قال: “هي لك أو لأخيك أو للذئب”، قال: فضالة الإبل؟ قال: “ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها”. رواه البخاري في مواضع منها: ما في كتاب في اللقطة، باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن (2430)، ومسلم،كتاب اللقطة (1722).
والعفاص هو الوعاء الذي يجعل فيه النقود، والوكاء ما يربط به الوعاء.
وقوله في ضالة الإبل: “معها حذاؤها” أي خفها، و”سقاؤها” أي جوفها، والمعنى: أنها تستغني بنفسها عن الحفظ بقدرتها على السير المسافات البعيدة وصبرها على العطش.

من أحكام اللقطة:
1.  الملتقط أمين، فلو تلف المال عنده من غير تعدٍّ ولا تفريط فإنه لا يضمن المال التالف.
2. أجرة التعريف على صاحب المال؛ لأن الملتقط محسن و(ما على المحسنين من سبيل)، لكن لو لم يأت صاحب المال فإن المال يكون للملتقط ـ كما سبق ـ وتكون أجرة التعريف عليه.
3. المال إن احتاج إلى نفقة فحكمه حكم التعريف، ينفق عليه الملتقط، والنفقة تكون على صاحب المال، وإذا لم يأت صاحب المال فالمال يكون للملتقط، وكذلك النفقة تكون عليه، هذا إذا كان قد نوى الرجوع على صاحب المال بالنفقة، أما إذا كان قد نوى الإحسان على صاحب المال وفي نيته أنه لا يريد منه شيئاً فإنه لا يرجع.
4. لا يجوز إنشاد الضالة في المساجد، وكذلك تعريفها لا يجوز في المساجد؛ لأن المساجد لم تبن لذلك، يقول –صلى الله عليه وسلم-: “من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا”. لكن يجوز ذلك على أبواب المساجد.
5. مكة -حرسها الله- لها وضع خاص، فلا تحل لقطتها إلا لمنشد (أي معرف)، فمن وجد لقطة في مكة فإنه لا يجوز له أخذها إلا بنية تعريفها أبد الدهر، ولا يملك هذه اللقطة بعد السنة -كما في غيرها من البلدان- ولا يجوز له أن يتملك اللقطة مطلقاً؛ لقوله –صلى الله عليه وسلم- عن مكة: “.. ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرِّف..” رواه البخاري، كتاب الحج، باب لا ينفر صيد الحرم (1833)، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة .. (1353) عن ابن عباس –رضي الله عنهما-.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي – رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نهى عن لقطة الحاج. رواه مسلم، كتاب اللقطة، باب في لقطة الحاج (1724).
لكن هل يترك اللقطة أم يأخذها؟
إن لم يخش على اللقطة فإنه يتركها، وأما إن خشي عليها فإنه يأخذها ويعرفها، وله أن يعطيها الجهة المسؤولة وهي تتولى التعريف، وفي هذا الوقت: إن لم يستطع الوصول إلى صاحب المال ـ كأن يكون رقمه أو رقم الفندق موجودًا على المال ـ وإلا فإنه يعطيها الجهة المسؤولة عن الأموال الضائعة؛ لأن من فقد مالاً فإنه يتوجه إلى تلك الجهة ويسألهم عنها.

والله أعلم.