السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله.

فضيلة الشيخ! إن زوجي لا يواصل بي في معظم الأوقات، وكذا أنه يؤمن بوجوب الصلاة لكنه يتركها كسلا وتهاونا، وأنه لا يشتغل بعمل يساعده على طلب المؤنة والقوت، وأنه غافل عن الآخرة، ففي هذا الحال إلى ما تشيرونني؟ هل أطلب منه الطلاق أم أتخذ طريقًا آخر؟ أخبروني بفضلكم، بارك الله فيكم.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

أخرج عبد الرزاق وغيره أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فأن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى. قال إبن المنذر : “ثبت ذلك عن عمر.”

فإذا كان زوجك لا يجد ما ينفق به عليك، فيجوز لك أن تطلبي الطلاق، أما إذا كان ينفق عليك فقد كفاك المؤنة، سواء عمل أم لم يعمل، فلا مجال لشكواه بالإعسار.

ويبقى أمر الصلاة، فقد اتفق المسلمون على أن من أنكر الصلاة جاحدا لها أي غير مؤمن بفرضيتها فقد كفر.
وأما من آمن بوجوبها إلا أنه يتركها كسلا وتهاونا – وزوجك واحد من هؤلاء- فقد اختلف العلماء في حكمه إلى اتجاهين :
الاتجاه الأول : يرى أنه أتى كبيرة من الكبائر إلا أنه ليس بكافر، وقد رأى بعض أصحاب هذا المذهب أنه يقتل إذا رفض التوبة على أنه أتى حدا من الحدود في الإسلام، كما يقتل الزاني المحصن إلا أن القتل لا يخرجه من الإسلام، والقتل للإمام وليس لآحاد الأمة.

ويرى بعض أصحاب هذا الاتجاه أنه لا يقتل ولكنه يحبس فقط، المهم أنه لا يكون كافرا، وهذا الاتجاه يمثله جمهور الأمة من الأحناف والمالكية والشافعية.

الاتجاه الثاني : يرى أنه كافر، ويقتل على أنه كافر، ومن مقتضيات القول بتكفيره أنه لا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه ولا يغسل، ويفرق بينه وبين زوجته، وينسب هذا الاتجاه إلى بعض السلف من الصحابة وغيرهم، كما ينسب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل إلا أن أشهر موسوعة في الفقه الحنبلي وهي كتاب المغني لابن قدامة رجحت أنه ليس بكافر على مذهب الإمام أحمد، وبالتالي تكون العلاقة بينه وبين زوجته صحيحة لا شائبة فيها، وهذه الرواية عن الإمام أحمد التي رجحها ابن قدامة الحنبلي تلتقي مع مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية.

وقد ذكر الإمام ابن قدامة صاحب كتاب المغني أن التاريخ لم يسجل لقضاة المسلمين أنهم فرقوا بين الرجل وزوجته بسبب ترك الصلاة بالرغم من كثرة تاركيها على مر الزمان.

وعلى هذا فزوجك غير كافر طالما أنه يؤمن بوجوبها، وعليك أن تنصحيه باستمرار، وأن تدعيه إلى الصلاة دون يأس، وأن تخوفيه من عاقبة تركها، وأن تحيطيه بالصحبة الصالحة التي تأخذ بيده إلى طريق الحق، فللصحبة مفعول السحر في مثل هذه الحالات.

فالدعوة المباشرة المكشوفة التي تعتد على صيغة الأمر والطلب يمجها الإنسان وينفر منها، ولكنه لو أحيط بطائفة ملتزمة فستتسرب إليه أخلاقهم وصفاتهم دون طلب منهم أو أمر، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول : “المرء على دين خليله”.
واستعيني عليه بدعوات السحر، فقومي في السحر، واسألي الله أن يأخذ بناصيته إليه، وأكثري من الدعاء بــ “ربنا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً” (الفرقان : 74 )
ولا تكثري الاستماع عن الأزواج الذين يقومون في السحر، ويصلون مع زوجاتهم، فإن هذا من شأنه أن يبغضك في زوجك، وأن يوجد في قلبك حنقا وشنئانا نحوه.

واذكري قول الله تعالى : “كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء : 94 )

واعلمي لو أن الله أكرمك بهدايته فلهو خير لك في دينك، ولهو أحسن لك من الدنيا وما فيها، فاجعليه مشروعك الدعوي، وتفنني في تنويع أسلوب دعوته، ومن الأمور النافعة أن تعرضيه لسماع المواعظ المؤثرة من العلماء والوعاظ المتميزين، ولا تطلبي منه أن يسمع مباشرة، ولكن تظاهري بأنك تشغلين المحاضرة لك أنت في أماكن تواجده، وابدئي معه بمحاضرات الرقائق والوعظ، والكلام عن الجنة والنار، وعن صفات الله تعالى، وإنعامه على الخلق، وقصص التائبين، ولا تبدئي معه بالتكاليف من الصلاة ونحوها، ولا تعجلي عليه.

على أنك إذا أحببت الطلاق منه على حاله هذا فإنك لن تأثمي، ولكن سيفوتك أجر دعوته وهدايته.

والله أعلم .