السؤال:

انا شاب جزائري احفظ كتاب الله ولله الحمد والمنة والفضل، وأقوم بتعليمه وإمامة الناس في المسجد، أردت الزواج من بنت هي حافظة لكتاب الله وتعلمه أيضا، ومشكلتي أن أبي لا يريد ذلك، وذلك لحجج أر ى أنها واهية، ولا معنى لها بما أن الله وعد من أراد الزواج من أجل العفة وتحصين النفس بتيسير ذلك، فأبي يرى أني ما زلت صغيرا رغم أني ابلغ من العمر 24 سنه، ويرى أن الزواج سيعيقني على مواصلة استزادتي من العلم وتحصيله؛ لأنه ستصبح في رقبتي مسؤوليه ضخمة على حد تعبيره، والمشكله الأساسيه أنه لايوجد عندي سكن، والتي كبر أبي من شأنها رغم أن البنت التي أردتها زوجة لي ناقشتها في الموضوع ووافقة على أن نبدأ بالكراء لأنه لو انتظرنا الراتب الذي نحصل عليه، لكان الزواج حلما بعيد المنال. وأخبركم أن أبي بعيد  وللأسف الشديدعن طريق الله عز وجل، حيث أنه لايحافظ على صلواته، وهو أيضا عاق لوالديه، ودائما في خصام مع والديه، وأخبركم أيضا أنني لا أعيش عنده لأنه انفصل عن أمي منذ كنت في الرابعة من عمري، وزوجته تعتبر من شرار الخلق، فهي دائما تكرهني وتغار مني، وتؤلب والدي عليَّ من حين لآخر، وسؤالي هل يجوز لي أن أخالف والدي في هذا الأمر والزواج من هذه البنت وأنتم تعرفون المقصد من الزواج، وخاصة بالنسبة لإمام يؤم الناس، ويريد أن يحصن نفسه، وهل أعتبر عاقا في هذه الحالة، وبارك الله في علمكم، ونفع بكم ودمتم في خدمة الاسلام وأهله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن كانت معارضة الوالدين للزواج نابعة من سبب ديني: كأن تكون الفتاة ليس على دين، أو كانت بعيدة عن تطبيق الشرع، فطاعة الوالدين حينئذ واجبة .
أما إن كانت المعارضة نابعة من أسباب شخصية، وأهواء بعيدة عن الشرع، فإن طاعتهم في هذا ليست واجبة، وعلى الابن أن يسدد ويقارب، و أن يستعين بالله في إرضاء والده ، وأن يلتمس طاعته بقدر ما أوتي من قوة ، وأن يجتهد في هذا الأمر، والله يقدر له الخير ويبارك له فيه .
يقول الشيخ عطية صقر من علماء الأزهر:
مخالفة الوالدين في اختيار الزوج أو الزوجة حرام إذا كان لهما رأي ديني في الزوج أو الزوجة يحذران منه، أما إذا كان رأي الوالدين ليس دينيًا، بل لمصلحة شخصية أو غرض آخر –والزواج فيه تكافؤ وصلاح – فلا حرمة في مخالفة الوالدين.
ومطلوب أن يكون هناك تفاهم بالحسنى بين الطرفين، رجاء تحقق الاستقرار في الأسرة الجديدة، وحتى يتحقق الغرض الاجتماعي من الزواج الذي ليس هو علاقة خاصة فقط بين الزوج والزوجة، وإنما هو علاقة أيضًا بين أسرتين، وفيه دعم للروابط الاجتماعية.
ويقاس هذا على إرغام الوالدين لولدهما على طلاق زوجته التي يحبها ويستريح لها، فقد روى الترمذي وصححه أن: عمر رضي الله عنه أمر ابنه أن يطلق زوجته فأبى، فشكاه للرسول صلى الله عليه وسلم فأمر بطلاقها، لكن سئل أحمد بن حنبل بعد ذلك في مثل هذه الحالة فقال للسائل: لا تطلق زوجتك، فذكر له حادث عمر، فقال أحمد: إذا كان أبوك مثل عمر فطلقها. والمعنى أن عمر كانت له نظرة دينية في زوجة ابنه، لكن غير عمر ليست له هذه النظرة، فهي غالبًا نظرة شخصية ولتحقيق غرض معين يكون من ورائة هدم أسرة يستريح لها الابن خلقًا ودينًا.
صح أن إبراهيم عليه السلام أمر ولده إسماعيل أن يطلق زوجته الأولى، مُكنيًا عن ذلك بتغيير عتبة الباب، كما رواه البخاري، وذلك لأنه وجدها تتأفف من عشرته، فقد تكون فتنة لزوجها، وقال الإمام الغزالي في “الإحياء ج2 ص51” بعد ذكر حديث ابن عمر: فهذا يدل على أن حق الوالد مقدم، ولكن والد يكرهها لا لغرض، مثل عمر.
وعلى هذا يحمل ما ورد من أمر أبى بكر الصديق ولده عبد الله أن يطلق زوجته عاتكة، وما أخرجه أحمد عن معاذ بن جبل، أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، وذكر منها “ولا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك”. وما جاء في صحيح ابن حبان أن رجلاً سأل أبا الدرداء فقال له، إن أبي لم يزل بي حتى زوجني، وإنه الآن يأمرني بطلاقها، قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك، ولا بالذي أمرك أن تطلق امرأتك، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على ذلك إن شئت أو دع” قال فأحسب أن عطاء –وهو الراوي –قال فطلقها.
هذا، وقد رأى جماعة أن الطاعة في تطليق الزوجة تكون للأب لا للأم، قال ابن تيمية فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته: لا يحل له أن يطلقها، بل عليه أن يبرها، وليس تطليق امرأته من برها “غذاء الألباب ج1 ص332” وجاء في هذا الكتاب أن ابن تيمية علّل عدم طاعة الوالدين في زواج امرأة معينة: بأنه لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر طبعه عنه، مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه، كان النكاح بذلك أولى، فإن أكل المكروه ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه ولا يمكن فراقه “ص334” راجع الجزء الخامس من موسوعة “الأسرة تحت رعاية الإسلام. أهـ
يقول فضيلة الشيخ بن سالم با هشام ـ عضو رابطة علماء المغرب :
اختيار الزوجة يتوقف على الشاب، أما الوالدان فدورهما الاستشارة بناء على خبرتهما لا الاختيار، ونظرا لجهلنا لمبادئ الدين الإسلامي وبقواعده الأساسية من قبل الوالدين، واستعمالهما لورقة الرضا والسخط، فلا بد من استعمال الحكمة معهما في هذه المواقف الحرجة.
ومن الحكمة التي أنصح بها الأخ الكريم: هو أنه يترك لهما الاختيار ويترك لنفسه القبول، فكلما اختارا له رفض، حتى يكلا ويتركا له الأمر، عندئذ يختار تلك التي أراد دون أن يخبرهما بها في أول الأمر، وبهذا يكون قد حقق المقصد الشرعي الذي أراد، وكسب قلب والديه، ولأن تكسب قلبا أفضل من أن تكسب موقفا.
فعليك أن تقيس الأمور أكثر وأكثر، وأن تفعل ما ترى حياتك تستقيم به في المستقبل وعليك دراسة الموضوع بجميع جوانبه وزواياه، وعليك أن تسدد وتقارب، وأن تسأل الله أن يوفقك للصواب في هذا الأمر، ونسأل الله لك أن يلهمك رشدك وأن يسدد خطاك .

والله أعلم.