السؤال:

هل تقبل الصلاة منفردا؟ وكيف توجد الطمأنينة في الصلاة؟ حيث أنا لا أجدها في البيت.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الأخ الكريم!

دعني أجب على سؤالك هذا من خلال  هذه النقاط :

أولا : أكاد أفهم من كلامك أنك تصلي منفردا، فلا تفعل، فقد روى مسلم أن سيدنا عبد الله بن مسعود قال  : “من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم -صلى الله عليه وسلم- سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف”.

وجاء في سنن الترمذي وغيره ما يخوف أشد التخويف من ترك الذهاب إلى المسجد، قال الترمذي : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُمْ قَالُوا: مَنْ سَمِعَ النّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ. (وهو حديث صحيح).
وَقالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا عَلَى التّغْلِيظِ وَالتّشْدِيدِ، وَلاَ رُخْصَةَ لأِحَدٍ فِي تَرْك الْجَماعَةِ إلاّ مِنْ عُذْرٍ.

ثانيا : صحيح أن الاشتغال بالدعاء بين الأذان والإقامة من أجل الطاعات؛ لان الإجابة فيه مرجوة، ولكن  ينبغي ألا يؤدي هذا إلى تضييع تكبيرة الإحرام مع الإمام ، وإذا كنت في المسجد فإنك ستقوم مع الإقامة ، ولا توجد حينئذ مشكلة.

ثالثا : الصحيح أن الطمأنينة من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها، وهذا هو ما عليه جمهور الفقهاء، لكن هذه الطمأنينة ليس معناها الإطالة، ولكن معناها استقرار كل عضو في موضعه، وحصول الانتصاب في الرفع من الركوع، والاستقرار في الأرض بالنسبة للجلوس، وعلى كل فقدر التسبيحة كاف في تحقيق الاطمئنان، وما زاد على ذلك فهو من السنة وليس من الفرائض.

قال ابن العربي من فقهاء المالكية في أحكام القرآن :
روى الأئمة مالك وغيره عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “تلك صلاة المنافقين. تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين . يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمسن وكانت بين قرني الشيطان، أو على قرني الشيطان، قام ينقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا”. فذمها -صلى الله عليه وسلم- بقلة ذكر الله سبحانه فيها؛ لأنه يراها أثقل عليه من الجبل، فيطلب الخلاص منها بظاهر من القول والعمل، وأقل ما يجزئ فيها من الذكر فرضا الفاتحة . وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله عز وجل . وأقل ما يجزئ من العمل في الصلاة إقامة الصلب في الركوع والسجود، والطمأنينة فيهما، والاستواء عند الفصل بينهما . ففي الحديث الصحيح : “لا تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود”.
وعلم الأعرابي على ما روي في الصحيح فقال له : فاركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن رافعا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا , ثم افعل ذلك في صلاتك كلها”. وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست بفرض  وهي رواية عراقية لا ينبغي لأحد من المالكيين أن يشتغل بها , فليس للعبد شيء يعول عليه سواها؛ فلا ينبغي أن ينقرها نقر الغراب , ولا يذكر الله بها ذكر المنافقين , وقد بين صلاة المنافقين في هذه الآية , وبين صلاة المؤمنين  فقال : (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) ومن خشع خضع واستمر، ولم ينقر ولا استعجل، إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض الذي قد بيناه.
وقد ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك أنه ذكر صلاة عمر بن عبد العزيز فقال : هذا أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجزة في تمام.

وذكر الشوكاني هذه الأحاديث :
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده”. (رواه أحمد).

( وعن علي بن شيبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود”. رواه أحمد وابن ماجه )
( وعن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : “لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود”. (رواه الخمسة وصححه الترمذي).

ثم قال بعد ذكره لهذه الأحاديث :

الأحاديث المذكورة في الباب تدل على وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع، والاعتدال بين السجدتين وإلى ذلك ذهبت العترة والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وأكثر العلماء قالوا : ولا تصح صلاة من لم يقم صلبه فيهما وهو الظاهر من أحاديث الباب ما قررناه غير مرة من أن النفي إن لم يكن توجهه إلى الذات توجه إلى الصحة لأنه أقرب إليها وقال أبو حنيفة : وهو مروي عن مالك أن الطمأنينة في الموضعين غير واجبة بل لو انحط من الركوع إلى السجود أو رفع رأسه عن الأرض أدنى رفع أجزأه ولو كحد السيف واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى : “اركعوا واسجدوا” وقد عرفناك في باب قراءة الفاتحة أن الفرض عنده لا يثبت بما يزيد على القرآن وبينا بطلانه هنالك، وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب الجلسة بين السجدتين إن شاء الله تعالى.. انتهى.

وقد بين النووي الحد الأدنى للطمأنينة فقال :
وتجب الطمأنينة في الركوع بلا خلاف لحديث : “المسيء صلاته” وأقلها أن يمكث في هيئة الركوع حتى تستقر أعضاؤه، وتنفصل حركة هويه عن ارتفاعه من الركوع ولو جاوز حد أقل الركوع بلا خلاف لحديث : “المسيء صلاته” ولو زاد في الهوي ثم ارتفع والحركات متصلة ولم يلبث لم تحصل الطمأنينة ولا يقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة بلا خلاف. انتهى.

وذكر ابن قدامة حد الطمأنينة فقال :
يجب أن يطمئن في ركوعه. ومعناه أن يمكث إذا بلغ حد الركوع قليلا . وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة : الطمأنينة غير واجبة لقوله تعالى : (اركعوا واسجدوا ). ولم يذكر الطمأنينة، والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به.

ولنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسيء في صلاته : “ثم اركع حتى تطمئن راكعا”. (متفق عليه).
وروى أبو قتادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : “أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته”. قيل : وكيف يسرق من صلاته؟ قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها وقال : لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود”. (رواه البخاري).
والآية حجة لنا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسر الركوع بفعله وقوله، فالمراد بالركوع ما بينه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقال مبينا حد الطمأنينة في الرفع من الركوع :-
جملة ذلك أنه إذا فرغ من الركوع ورفع رأسه واعتدل قائما حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ويطمئن، يبتدئ الرفع قائلا : سمع الله لمن حمده. ويكون انتهاؤه عند انتهاء رفعه ويرفع يديه لما روينا من الأخبار.

وذكرت الموسوعة الفقهية الكويتية ما تتحقق به الطمأنينة كالآتي :

ذهب جمهور الفقهاء : -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن أقل الطمأنينة هو سكون الأعضاء.
قال المالكية : أقلها ذهاب حركة الأعضاء زمنا يسيرا.
وقال الشافعية : أقلها أن يمكث المصلي حتى تستقر أعضاؤه وتنفصل حركة هويه عن ارتفاعه.
قال النووي : ولو زاد في الهوي ثم ارتفع ، والحركات متصلة ولم يلبث لم تحصل الطمأنينة ولا يقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة بلا خلاف.
وقال الحنابلة : أقلها حصول السكون وإن قل وهذا على الصحيح من المذهب وقيل : هي بقدر الذكر الواجب، قال المرداوي : وفائدة الوجهين : إذا نسي التسبيح في ركوعه أو في سجوده، أو التحميد في اعتداله، أو سؤال المغفرة في جلوسه أو عجز عنه لعجمة أو خرس أو تعمد تركه، وقلنا : هو سنة، واطمأن قدرا لا يتسع له فصلاته صحيحة على الوجه الأول، ولا تصح على الثاني . وذهب الحنفية إلى أن أقل الطمأنينة هو تسكين الجوارح قدر تسبيحة.

والله أعلم.