السؤال:

هل يجوز لي الزواج من فتاه أرضعتها زوجة أبي مع أختي من أبي ؟

الجواب:

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

عند أصحاب المذاهب الأربعة لبن الفحل يتعلق به التحريم بينما ذهب سعيد بن المسيب وعطاء ورافع بن خديج إلى أن لبن الفحل لا يتعلق به التحريم.
جاء في فتاوى فضيلة الشيخ أحمد هريدي ـ مفتي مصر الأسبق ـ رحمه الله:
اختلف العلماء في الرضاع .‏  هل ينشر الحرمة في جانب الرجل كما ينشرها في جانب المرأة، فتحرم المرضعة على الرجل لأنه أبوها وعلى إخواته لأنهم أعمامها أو لا وقد اصطلح الفقهاء على تسمية هذه المسألة التحريم بلبن الفحل.

 قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن:
واختلف العلماء في لبن الفحل، وهو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا، وينزل لها لبن بعد ولادتها، فترضع به صبيا، فإن من قال بتحريم لبن الفحل يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل إن كانوا من غيرها -‏ ومن لا يعتبره لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من غيرها .‏
وفي الهداية[من كتب الحنفية] ولبن الفحل يتعلق به التحريم .‏ وهو أن ترضع المرأة صبية، فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل منه اللبن أبا للمرضعة.
وأشهر من قال بأن لبن الفحل لا يحرم سعيد بن المسيب وعطاء ورافع بن خديج، وروى هذا القول عن بعض الصحابة .‏  كما روى عن أم المؤمنين السيدة عائشة -‏ رضي الله عنها -‏ وابن الزبير وابن عمر .‏
فقد صح عن أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبى بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام .‏
قالت زينب: وكان الزبير يدخل عليَّ وأنا أمتشط، فيأخذ بقرن من قرون رأسي، ويقول: أقبلي على فحدثيني، أرى أنه أبى، وما ولد منه فهم إخواتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلى يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير، وكان حمزة للكلبية، فقالت لرسوله: وهل تحل له وإنما هي ابنة أخته؟ فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع من قبلك .‏
أما ما ولدت أسماء فهم أخواتك، وما كان من غيرها فليسوا لك بإخوة، فأرسلي فاسألي عن هذا، فأرسلت فسألت .‏
وأصحاب رسول الله -‏ صلى الله عليه وسلم -‏ متوافرون .‏  فقالوا: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحها إياه .‏
فلم تزل عنده حتى هلك عنها قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابة -‏ رضوان الله عليهم -‏ واستدلوا بأنِّ الحرمة لشبهة البغيضة، واللبن بعضها لا بعضه، فلا جزئية بين الرجل وبين من أرضعته زوجته، ولأنه لو نزل للرجل لبن فأرتضعته صغيرة حلت له فكيف يحرم بلبن هو سبب بعيد فيه .‏
ولأن الله تعالى ذكر حرمة الرضاع في جانب النساء فقال تعالى: (‏ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) النساء ‏23 ، فلو كانت الحرمة تثبت من جانب الرجل لبينها الله تعالى كما بين الحرمة بالنسب .‏
وممن قال بالتحريم بلبن الفحل الإمام على وابن عباس رضي الله عنهما والأئمة الأربعة أبو حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم -‏ ودليلهم حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن أفلح أخا أبى القعيس جاء ليستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت: (‏ فأبيت أن آذن له )‏ .‏
فلما جاء النبي -‏ صلى الله عليه وسلم -‏ وأخبرته قال: (‏ ليلج عليك فإنه عمك )‏ قلت: (‏ إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل )‏ قال: (‏ ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك )‏ وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت السيدة عائشة -‏ رضي الله عنها -‏ وروى الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت إحداهما غلاما .‏
وأرضعت الثانية جارية هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية .‏
فقال لا اللقاح واحد ومما تقدم يتبين أن التحريم بلبن الفحل موضع خلاف بين العلماء على النحو الذي ذكرنا .‏
ولا مانع شرعا من الأخذ بأحد الرأيين (‏أي التحريم وعدم التحريم)‏ غير أن دار الإفتاء بالجمهورية العربية المتحدة قد درجت في إفتائها على الأخذ بما اتفق عليه الأئمة الأربعة (‏أي التحريم بلبن الفحل)‏ .‏ أهـ

تعليق :‏ بالنص الآتي (‏عن زينب بنت أبى سلمة أنها قالت كان الزبير يدخل على وأنا أمتشط أرى أنه أبى وأن ولده إخواتى لأن امرأته أسماء أرضعتني، فلما كان بعد الحرة أرسل إلى عبد الله بن الزبير يخطب ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير وكان للكلبية .‏
فقلت وهل تحل له .‏ فقال إنه ليس لك بأخ إنما إخواتك من ولدت أسماء دون من ولد الزبير من غيرها .‏
قالت فأرسلت فسألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين -‏ فقالوا إن الرضاع لا يحرم شيئا من قبل الرجل فأنكحتها إياه)‏ .‏
وقد أجاب صاحب نيل الأوطار على هذا الحديث بعدة أجوبة؛ منها : أنه اجتهاد من بعض الصحابة والتابعين، وهو لا يعارض نصا، ومنها: أن دعوى الإجماع غير صحيحة لسكوت الباقين، والسكوت في المسائل الاجتهادية ليس دليلا على الرضا، ومنها: أن الحجة بالمروى لا بالراوي .‏

والله أعلم