السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله. أرجوا الإجابة على سؤالي هل صحيح أن تربية أسماك الزينة تجلب الفقر؟ شاكرا لكم حسن تعاونكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فلا حرج في تربية أسماك الزينة أما علاقة هذه التربية بالفقر فلا نعلم شيئا بهذا الخصوص، ولكن هناك ضوابط لتربية أسماك الزينة، ألا يتعمد إجاعتها أو إهمالها. فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء قال: ” يا أبا عمير ما فعل النغير؟”. والنغير تصغير نغر وهو : طائر صغير.

يقول الشيخ عطية صقر ، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا:
‏ بعض الطيور فيها جمال فى أصل الخلقة أو فى الألوان أو فى الأصوات أو فى غيرها ، والجمال محبب إلى كل نفس سوية ، وهو من نعم الله التى يجب أن تشكر ، كما قال تعالى {‏ قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق }‏ الأعراف :‏ ‏22 ، وقال {‏والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة }‏ النحل :‏ ‏8 .‏

وإذا كانت الزينة التى خلقها الله وأخرجها لعباده فى الحيوانات والنباتات وغيرها مباحة وغير محرمة ، فكذلك التزين -‏ وهو فعل الزينة -‏ ليس ممنوعا فى كل الأحوال ، وإذا كان ممنوعا عند التكبر والخيلاء أو الإسراف فهو غير ممنوع إن خلا من هذه الأشياء جاء فى تفسير القرطبى “ج ‏7 ص ‏97 “:
ليس كل ما تهواه النفس يذم وليس كل ما يتزين به الناس يكره ، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو كان على وجه الرياء فى باب الدين ، فإن الإنسان يُحِب أن يُرىَ جميلا .‏ وذلك حظ للنفس لا يلام فيه ، ولهذا يسرح شعره ، وينظر فى المرآة ، ويسوى عمامته ، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل و ظهارته الحسنة إلى خارج ، وليس فى شىء من هذا ما يحرم أو يذم .‏

وقد روى مكحول عن عائشة قالت :‏ كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفى الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر فى الماء ويسوى لحيته وشعره ، فقلت :‏ يا رسول الله وأنت تفعل هذا ؟ قال ” نعم ، إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه ، فإن الله جميل يحب الجمال ” .‏
وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ” لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر ” فقال رجل :‏ إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ، قال ” إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق و غمط الناس ” .‏

بعد هذه المقدمة فى الزينة وأن الأصل فيها الحل ، وفى أهمية الجمال فى حياة الناس ، وموقف الإسلام الرائع فى تشريعه العادل الذى لا يهمل الفطرة الإنسانية إهمالا تاما ولكن يوجهها ويهذبها –

‏ بعد هذه المقدمة أقول :‏ إن صنع الزينة واستعمالها والاتجار فيها لا بأس به فى حد ذاته ، ومن الزينة بعض الطيور والأسماك ، فيجوز اقتناؤها وبيعها ما دام ذلك فى حدود الشرع وبشروط ، ومن هذه الشروط :‏
‏1 -‏ ألا يقصد بها التفاخر والخيلاء ، كما هو دأب المترفين ، والأعمال بالنيات .‏
‏2 -‏ ألا يلهى التمتع بها أو الانشغال برعايتها واستثمارها عن واجب من الواجبات .‏
‏3 -‏ ألا يهمل فى رعايتها بالتقصير فى تغذيتها مثلا ، فالحديث معروف فى تعذيب الله للمرأة التى حبست القطة دون أن تطعمها أو تسقيها.‏
هذا ، وقد ورد فى الصحيحين عن أنس رضى الله عنه قال :‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقًا ، وكان لى أخ لأمى فطيم يقال له عمير ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءنا قال “يا أبا عمير ما فعل النُّغَير ” ؟ وعمير تصغير عمر أو عمرو .‏ والفطيم بمعنى المفطوم ، والنغير تصغير نُغَر وهو طير كالعصافير حمر المناقير ، وأهل المدينة يسمونه البلبل .‏

قال الدميرى فى كتابه ” حياة الحيوان الكبرى ” :‏ فى الحديث دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير .‏ وقال العلامة أبو العباس القرطبى :‏ لكن الذى أجازه العلماء هو أن يمسك له وأن يلهو بحبسه ، وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكله .‏
وقال غيره :‏ معنى قوله .‏ يلعب به ، يتلهى بحبسه وإمساكه ، وفيه دليل على جواز حبس الطير فى القفص والتلهى به لهذا الغرض وغيره .‏
ومنع ابن عقيل الحنبلى من ذلك ، وجعله سفها وتعذيبا ، لقول أبى الدرداء رضى الله عنه :‏
تجئ العصافير -‏ يوم القيامة تتعلق بالعبد الذىَ كان يحبسها فى القفص عن طلب أرزاقها وتقول :‏ يا رب هذا عذبنى فى الدنيا .‏
والجواب أن هذا فيمن منعها المأكل والمشرب ، وقد سئل القفال عن ذلك فقال -‏ :‏ إذا كفاها المؤونة جاز ، بل فى الحديث دليل على جواز قنصها -‏ صيدها -‏ للعب الصبيان بها ، وكان بعض الصحابة يكره ذلك ، ورأيت لأبى العباس أحمد بن القاص مصنفا حسنا على هذا ويؤخذ مما ذكره الدميرى أن حبس الطيور للزينة وغيرها جائز ما دام يكفيها مؤونتها ، وما دام لا يعذبها ، ومن كره ذلك من بعض العلماء محله عند التقصير والإيذاء ، و الكراهة على كل حال لا تعنى الحرمة ، فالحرام معصية يعاقب عليها ، والمكروه ليس معصية ولا يعاقب عليه .‏

وحكم الطير يسرى على الأسماك المتخذة للزينة فى أحواض ضيقة ليست فى سعة الأنهار ، والبحار ، وكذلك على الحيوانات فى الحدائق المعدة لها ، وقد حبست فى أقفاص أو أبنية ليست فى سعة الصحراء والغابات التى كانت تعيش فيها من قبل .‏ (انتهى)