السؤال:

كثر الخلاف في هذه الأيام حول الحساب الفلكي هل نأخذ بالحساب الفلكي أم بالرؤية البصرية ؟ ، وحول اختلاف المطالع هل نأخذ باختلاف المطالع كما كان يحدث في السابق أم أن ذلك لم يعد لائقا في هذا العصر وبخاصة وقد تقدمت وسائل الاتصال وأصبح العالم كله كقرية واحدة؟؟ وقد قرأنا كثيرا للفقهاء القدامى والمعاصرين فهل من دور للمجامع الفقهية المعاصرة في حسم هذه القضايا ؟؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

هذه القضايا ليس الاختلاف فيها راجعا إلى الخطأ والصواب ، ولكن الاختلاف فيها سائغ مقبول؛ ولذلك اختلفت المجامع والمؤتمرات الفقهية في هذه القضايا.

فمن قديم، وقضية إثبات الهلال بالحساب الفلكي، ومدى اعتبار اختلاف المطالع أمر يشغل الناس والفقهاء معا.

وقد حظي القرن الأخير بالمجامع والمؤتمرات العامة التي تسمح بالتقاء الفقهاء وعلماء الفلك معا، يتبادلون الرأي، ويتجاذبون الحديث، ويحررون محل النزاع ليعرف المتفق عليه بينهم ، والمختلف فيه.

وقد أثمرت هذه المؤتمرات وضوحا وشفافية بين الفريقين ، فقد ظهر للفقهاء بوضوح معنى الحساب الفلكي المقصود، والفرق بينه وبين علم التنجيم الذي ذمه الشرع ونهى عنه.

ولعل أقدم  هذه المؤتمرات : المؤتمر الذي عقده مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام (1966) مبالقاهرة، وكانت نتيجة هذا المؤتمر أنه  ألغى اختلاف المطالع، واعتبر أن العبرة بمن يرى، فرؤية بلد واحد رؤية لجميع البلاد التي تشترك معه في جزء من الليل، وهذا نص قراره :-

( يرى المؤتمر أنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤيا وإن قل ويكون اختلاف المطالع معتبرا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة )انتهى.

وأما عن الاعتماد على الحساب الفلكي، فقد قرر المجمع وقتها أن الرؤية البصرية هي الأصل، فلا يعمل بالحساب الفلكي في إثبات الشهر إلا إذا رؤي بالفعل بصريا ، وإلا فلا عبرة بالحساب الفلكي ، وأما إذا نفى علم الفلك إمكانية الرؤية فإن هذا يكون دليلا على وهم من يرى أو خطئه، وعليه فلا يقبل له قول ، وهذا نص قراره :-

“- الرؤية هي الأصل في معرفة دخول أي شهر قمري، كما يدل عليه الحديث الشريف.فالرؤية هي الأساس لكن لا يعتمد عليها إذا تمكنت فيها التهم تمكنا قويا.

– يكون ثبوت رؤية الهلال بالتواتر، والاستفاضة، كما يكون بخبر الواحد ذكرا كان أو أنثى، إذا لم تتمكن التهمة في أخباره لسبب من الأسباب، ومن هذه الأسباب مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به الصادر ممن يوثق به”. انتهى.

وتلا هذا قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي  عام (1979) م  فقرر أنه لا عبرة بالحساب الفلكي دون فرق بين النفي أو الإثبات ، وأما عن قرار المجمع  بشأن اختلاف المطالع فقد تأخر حتى عام (2004) م ، فقد قرر ساعتها أن لكل بلد مطلعه مخالفا بذلك قرار مجمع المنظمة .

ثم تلا هذا مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام (1986) م. فوافق  قرار مجمع البحوث في إلغاء اختلاف المطالع ( أي أن رؤية بلد واحدة رؤية لجميع البلاد)  ولكنه خالفه في الثانية، فلم يعتمد على الحساب الفلكي لا في النفي ولا في الإثبات ، وهذا نص قراره :-

“أولاً: إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.

ثانياً: يجب الاعتماد على الرؤية،ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد،مراعاة للأحاديث النبوية،والحقائق العلمية. ” . انتهى.

ثم تلا هذا  ما عقدته ندوة الأهلَّة والمواقيت والتقنيات الفلكية في الكويت خلال الفترة بين 21 إلى 23 رجب 1409 هـ الموافق 25/27 – 1989/3/1م بتنظيم النادي العلمي الكويتي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وشارك فيها عدد من فقهاء الشريعة وعلماء الفلك في الدول العربية التالية: الأردن – الإمارات – الجزائر – السعودية – السودان – عُمان – فلسطين – قطر – الكويت – مصر – المغرب – اليمن.؛ كما حضرها مندوبون عن مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والاتحاد العربي لنوادي العلوم.

ولم تخرج الندوة عما رآه مجمع البحوث الإسلامية من قبل؛  فقد أصدرت الندوة التوصيات التالية:
(1) إذا ثبت رؤية الهلال في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
(2) يؤخذ بالحسابات المعتمدة في حالة النفي (أي القطع باستحالة رؤية الهلال) وتكون الحسابات الفلكية معتمدة إذا قامت على التحقيق الدقيق (لا التقريب) وكانت مبنية على قواعد فلكية مسلمة وصدرت عن جمع من الفلكيين الحاسبين الثقات بحيث يؤمن وقوع الخلل فيها.
فإذا شهد الشهود برؤية الهلال في الحالات التي يتعذر فلكيًا رؤيته فيها ترد الشهادة لمناقضتها للواقع ودخول الريبة فيها.
ومن هذه الحالات التي تستحيل فيها الرؤية:-

(أ) إذا شهد الشهود برؤية الهلال قبل الوقت المقدر له بالحساب الفلكي، وهو وجوده في الأفق بعد غروب الشمس، فلا عبرة بالشهادة على رؤية الهلال قبل حصول الاقتران أو إذا تزامنت الشهادة مع الاقتران، سواء أكان الاقتران مرئيًا كالكسوف، أم غير مرئي مما تحدده الحسابات الفلكية المعتمدة. وهذه الحالة نص عليها عدد من فقهاء المسلمين كابن تيمية والقرافي وابن القيم وابن رشد. انتهى.

وأما مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية، فقد وافق قرار مجمع البحوث الإسلامية في المسألتين كلتيهما، وذلك سنة (2004) م . وبمثل ذلك جاء قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث سنة ( 2005) م.

ونسجل هنا كلمات نيرة جاءت في بيان مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية ، فقد جاء فيه :-

هذه هي جملة الاختلافات الفقهية الواردة في هذا الباب، وجلها من مسائل الاجتهاد، والخلاف الوارد فيها خلاف معتبر، والأصل في مسائل الاجتهاد أن لا يضيق فيها على المخالف، وأن لا تكون سببا في قطيعة أو تهاجر، وقد اتفقت المجامع كلها وأهل الفتوى كافة أن على المسلم أن يتبع الموقف الاجتهادي الذي يتخذه أصحاب النظر في بلده، أيا كانت موافقته أو مخالفته لما يعتقده راجحا، لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس.

إن قضية ثبوت الأهلة قضية سلطانية في المقام الأول، بمعنى أنه لا يحسم الخلاف الوارد فيها إلا جهة ذات سلطان، تستطيع بسلطانها أن تنفذ قرارها على الناس كافة، وتصبح مخالفتها في هذه الحالة صورة من صور الشذوذ والمنابذة والبغي، فالمشكلة إذن لا تكمن في ترجيح بعض هذه الآراء على بعض، وإنما تكمن في غياب هذه السلطة التي تتمتع بالمرجعية، والتي يدين لها الناس بالطاعة، وتمضي عليهم اجتهادها فلا ينازعها أحد، سواء أكانت هذه السلطة دينية يتبعها الناس لثقتهم في كفايتها وديانتها، أو سلطة دنيوية يتبعها الناس لسلطانها وشوكتها، وما لم يتسن أحد هذين المسارين فلا سبيل إلى جمع الكلمة في هذه القضية لا في المشرق ولا في المغرب! إن الذي حسم هذه المشكلة في المشرق إنما هو شوكة ذوى السلطان ، وليست قوة الحجة أو البرهان!

والله أعلم .