السؤال:

نحن عائلة نتبع المذهب الحنفي فهل يجب الأخذ عن هذا المذهب في كل الأمور ولا يجوز التعدي إلى غيره من المذاهب علما إن هناك قضايا فقهيه تترجح عند غير هذا المذهب كما يقرر ذلك بعض الفقهاء

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يقول أ.د ماهر السوسي  ـ الأستاذ المساعد في الشريعة بالجامعة الإسلامية بغزة ـ فلسطين :

الأصل أن تكون عبادة المرء المسلم متناسقة ومنسجمة بعضها مع بعض ومعلوم أن كل مذهب من المذاهب الفقهية له قواعده وأسسه التي تبنى عليها أحكامه وهذا يعني توافق أحكام هذا المذهب وعدم تناقضها أو تنافرها.

من أجل ذلك فإنه لا بد من أن يتبع كل مسلم أحكام المذهب الذي ينتمي إليه، ولكن له أن يأخذ من المذاهب الأخرى إذا ترجح لديه بالدليل الشرعي أن حكم مسألة ما في مذهب من المذاهب هي أرجح منها في المذهب الذي يعمل به.

فإذا تيسر له هذا الأمر فبإمكانه أن يأخذ بما ترجح لديه بشرط أن يكون مستندا إلى دليل شرعي لا إلى المزاج أو الهوى ولا رغبة في البحث عن الأسهل والأيسر.

ويقول فضيلة الشيخ حسننين محمد مخلوف رحمه الله تعالى:

المبادئ :‏ ‏1 -‏ التقليد واجب على غير المجتهد المطلق ولا يجب عليه التزام مذهب معين .‏
‏2 -‏ مذهب العامى فتوى مفتيه المعروف بالعلم والعدالة .‏
‏3 -‏ يجوز تتبع رخص المذهب فى المسائل المتعددة .‏
‏4 -‏ التلفيق بمعنى العمل فى كل حادثة بمذهب جائز شرعا .‏
‏5 -‏ ليس للمقلد الرجوع بعد العمل بقول أحد المجتهدين فى حادثة إلى قول مجتهد آخر فيها .‏

من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل خاتم رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم بشريعة هي خاتمة الشرائع عامة، وافية كفيلة بما يحتاج إليه البشر في كل زمان، دستورها الأول القرآن الكريم، والثاني السنن الصحيحة، ومنهما يتولد أصلان آخران -‏ هما إجماع المجتهدين على الحكم الشرعي والقياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص وهو باب فسيح يسد حاجة الأمة فيما يجد من الحوادث والشئون على تعاقب الدهور واختلاف الأحوال والعصور، عني علماء الأصول بتحرير قواعده وضوابطه التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من هذه الأصول -‏ والأحكام العملية وهي التي يبحث عنها في الفقه منها ما لا يحتاج إلى نظر واجتهاد وهو ما ثبت بالدليل القطعي، واستفاض العلم به حتى أصبح معلوما من الدين بالضرورة كأركان الإسلام الخمسة وتحريم الكبائر.‏
ومنها ما هو محل نظر واجتهاد وهذا النوع متشعب الأطراف، وهو الذي جرى في حلبته فقهاء الإسلام، واختلفت فيه أنظارهم واتسع به نطاق الفقه الإسلامي، والذي قام بعبئه هم المجتهدون الذين توافرت لهم وسائل الاجتهاد.‏
أما من عداهم من عامة المسلمين الذين لم تتوافر لهم وسائل النظر في الأدلة والاجتهاد في استنباط الأحكام فهم المقلدون الذين يجب عليهم الأخذ بمذاهب المجتهدين، إذ كل من جهل حكما ولم يكن في استطاعته الاجتهاد وجب عليه أن يسأل عنه العلماء به لقوله تعالى {‏ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }‏ الأنبياء ‏7 ، وإلا لتعذر العمل عليه وكان تكليفه به مع عدم القدرة على استنباطه تكليفا بما ليس في الوسع فكان من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهؤلاء الرجوع إلى العلماء ولم يلزمهم النظر والاجتهاد لعدم تمكنهم منهما وعدم توافر وسائلهما لديهم.‏
التقليد فالتقليد مشروع في الأحكام العملية وهو كما قال الآمدي: (‏العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة)،‏ وقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أن العامي، وهو الذي ليس له أهلية الاجتهاد في الأحكام وإن كان محصلا لبعض العلوم يجب عليه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه للآية السالفة، وهى عامة لكل المخاطبين الذين لم تتوافر لهم وسائل العلم بالأحكام، ولأن العامة في زمن الصحابة والتابعين كانوا يستفتون المجتهدين منهم، ويتبعونهم فيما بينوه لهم من الأحكام وكان المجتهدون يبادرون إلى إفتائهم والكشف لهم عما جهلوا، ولم ينكروا عليهم استفتاءهم إياهم فكان ذلك إجماعًا على مشروعية التقليد في الفروع.‏
غير أن العامي في الاستفتاء مقيد باستفتاء من عرف بالعلم والعدالة وأهلية النظر فيما يستفتى فيه فلا يجوز له أن يستفتى من لم يعرف بالعلم والعدالة احتياطًا في أمر الدين -‏ (‏لا يجب التزام مذهب مجتهد معين)‏ -‏ إذا تقرر هذا فهل يجب على العامي التمذهب بمذهب مجتهد معين، والتزام جميع عزائمه ورخصه بحيث لا يجوز له الخروج عنه -‏ الحق الذي ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يجب عليه ذلك بل له أن يعمل في مسألة بقول أبى حنيفة مثلاً، وفى أخرى بقول مجتهد آخر للقطع بأن المستفتين في كل عصر من زمن الصحابة ومن بعدهم كانوا يستفتون مرة واحدة، ومرة غيره غير ملتزمين مفتيا واحدا، وعلى ذلك لو التزم مذهبا معينا كمذهب أبى حنيفة أو الشافعى لا يلزمه تقليده فى كل مسألة ، وقد اختار ذلك الآمدي وابن الحاجب والكمال فى تحريره والرافعي وغيره لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل معين من الأئمة فيقلده فى دينه يأخذ كل ما يأتى ويذر غيره، وقال ابن أمير حاج فى شرحه على التحرير (‏ ثم فى أصول ابن مفلح -‏ وذكر بعض أصحابنا (‏ يعنى الحنابلة )‏ والمالكية والشافعية .‏
هل يلزمه التمذهب بمذهب والأخذ برخصه وعزائمه ؟
فيه وجهان أشهرهما: لا -‏ كجمهور العلماء فيتخير، ونقل عن بعض الحنابلة أنه قال: وفى لزوم الأخذ برخصة وعزائمه طاعة غير النبى صلى الله عليه وسلم فى كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع وتوقف فى جوازه، وقال أيضا إن خالفه فى زيادة علم أو تقوى فقد أحسن ولم يقدح فى عدالته بلا نزاع بل يجب فى هذه الحال وأنه نص أحمد، وكذا قال القدوري الحنفي ما أظنه أقوى عليه تقليده فيه -‏ -‏ انتهى -‏ -‏ ثم قال ابن أمير حاج بعد نقل هذا (‏ وقد انطوت القرون الفاضلة على عدم القول بذلك -‏ بل لا يصح للعامى مذهب ولو تمذهب به لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتابا فى فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله.‏
وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال أنا حنفي أو شافعي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال أنا فقيه أو نحوى أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله يوضحه أن قائله يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه فى العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعلمه بطريقه فكيف يصح ل الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من المعنى )‏ انتهى -‏
ولذلك اشتهر قولهم العامى لا مذهب له، ففى البحر فى باب قضاء الفوائت (‏ وإن كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه فتوى مفتيه وإن لم يستفت أحدًا وصادف الصحة على مذهب مجتهد أجزأه )‏ -‏ انتهى -‏ -‏ ومما تقدم يعلم أنه لا يجب تقليد مجتهد معين، وأن التلفيق بمعنى العمل بقول مجتهد فى مسألة وبقول آخر فى أخرى لضرورة ولغيرها فى العبادات والمعاملات جائز تخفيفا ورحمة بالأمة .‏
الرجوع عن التقليد وليس للعامى إذا قلد مجتهدا فى مسألة واتصل عمله بها الرجوع عنها وتقليد غيره فيها .‏
لأن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل اتفاقا لما فيه من إبطال عين فعله وهو غير جائز؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضى لا يُنقض، أما قبل العمل كما إذا استفتى مجتهدا وعرف حكم المسألة منه ثم استفتى آخر فيها وعرف الحكم منه فله أن يعمل بقول أى واحد منهما .‏
نص على ذلك الآمدى وابن الهمام فى التحرير وصاحب جمع الجوامع ومسلم الثبوت وغيرهم من علماء الأصول .‏
جواز تتبع الرخص وينبنى على جواز التلفيق فى التقليد بالمعنى المتقدم أولا .‏
جواز اتباعه رخص المذاهب فى المسائل المختلفة كما ذهب إليه الجمهور، فيعمل بأمرين متضادين فى حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى .‏
كما إذا توضأ مراعيا الشرائط على مذهب الشافعى، ثم فى وضوء آخر راعى الشرائط على مذهب أبى حنيفة، لأن للمكلف أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمل بقول مجتهد آخر فى ذات المسألة التى يريد التقليد فيها لما علمت من أنه ليس للمقلد الرجوع بعد العمل بقول أحد المجتهدين فى حادثة إلى قول مجتهد آخر فيها .‏
قال فى التحرير فى شرحه: (‏ ويتخرج منه أى من كونه لم يلتزم مذهبا معينا جواز اتباعه رخص المذاهب أى أخذه من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل )‏ ومثله فى مسلم الثبوت أما ما نقل عن ابن عبد البر من أنه لا يجوز للعامى تتبع الرخص إجماعا فليس على إطلاقه.‏
إذ قد روي عن الإمام أحمد فى هذا روايتان، وحمل القاضى أبو يعلى الرواية التى تقول بفسق متتبع رخص المذاهب على غير متأول ولا مقلد -‏ فالقصد التيسير على الناس فمن توضأ على مذهب أبي حنيفة له أن يصلى بهذا الوضوء على مذهب الشافعى وبالعكس .‏
فالتلفيق على هذا الوجه جائز لعدم اتحاد المسألة التى لفق فيها، ولأنه لا يلزم المقلد استفتاء مفتٍ معين على ما أسلفنا بيانه .‏
ومن هذا يعلم أن تتبع رخص المذاهب بأن يأخذ المقلد بقول المذاهب فى المسائل المتعددة جائز.‏
أما إذا اتحدت المسألة حقيقة أو حكما فلا يجوز كما حققه الكمال فى التحرير وصاحب مسلم الثبوت فى باب الإجماع .‏
لأنه لا يترتب على الأخذ برخص المذاهب فى المسائل المتعددة وهو التلفيق بالمعنى المتقدم خرق الإجماع فى مسألة متفق عليها، وقد اختار ذلك الآمدي والرازي -‏ وعلى ذلك فالتلفيق بتتبع الرخص جائز فى الصورة التى ذكرها السائل .‏
فإن الماء القليل المستعمل مطهر عند مالك فإذا أخذ المقلد بهذا الحكم مقلدا مذهب مالك أجزأه ثم يقلد مذهب أبى حنيفة فى عدم لزوم الدلك والنية فى الوضوء والغسل يكون وضوءه أو غسله صحيحا .‏
لأنه لم يتتبع الرخص فى مسألة واحدة بل فى مسائل إذ الحكم على طهورية الماء منفصل عن الحكم على صحة الوضوء أو الغسل مع ترك الدلك والنية.‏
والخلاصة أن التقليد واجب على غير المجتهد لمطلق ضرورة العمل وأنه لا يجب على المقلد التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدا غير إمامه، وأن مذهب العامى فتوى مفتيه المعروف بالعلم والعدالة وأن التلفيق بمعنى العمل فى كل حادثة بمذهب جائز
ويتخرج على جوازه جواز تتبع رخص المذاهب فى المسائل المتعددة -‏ كالوضوء على مذهب الشافعى ثم الصلاة به بعد اللمس على مذهب أبى حنيفة .‏
أما التلفيق بمعنى تتبع الرخص فى مسألة واحدة فغير جائز، فلا يصح الوضوء إذا ترك الترتيب فى غسل الأعضاء ومسح أقل من ربع الرأس على ما سبق تحقيقه، وأن الرجوع عن التقليد بعد العمل فى حادثة واحدة باطل فإذا عقد زواجه وفق شروط مذهب أبى حنيفة بأن تولت الزوجة البالغة العقد بنفسها مثلاً، وعاشرها زوجها معاشرة الأزواج ثم طلقها ثلاث تطليقات فليس له أن يقلد مذهب الشافعى الذى يرى أن النكاح لا ينعقد بعبارة النساء بل لابد من الولي -‏ لأن هذا تلفيق للتقليد فى مسألة واحدة وهو باطل اتفاقا، ولا بد لهذه الزوجة لكى تحل لمطلقها أن تتزوج بغيره زواجا صحيحا ويدخل بها حقيقة ويطلقها وتنقضي عدتها ومما تقدم علم الحكم فى هذه المسائل .‏
والله أعلم .‏