السؤال:

السلام عليكم و رحمة الله اخوانى الاحباء جائنى على البريد الخاص بى رسالة هى عبارة عن صفحة على موقع و عنوانة هو : http://www.lovely0smile.com/g-img/sites/deep-in-the-earth.html وهى عن اصوات تأتى من باطن الارض ارجو مراجعتها من الناحية الشرعية فأن كان فيها خير ننشرها و ان كانت تقاليع ننشر تكذيب لها والله ولى التوفيق و السلام عليكم و رحمة الله  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

سئل الدكتور حامد العلي – من علماء الكويت- هذا السؤال : ” سمعنا في أحد مواقع الانترنت أن رجلا ملحدا سمع أصوات معذبين في القبر ، وهذه الأصوات مرعبة جدا ، كما سمعناها في الشريط ، والسؤال هو هل يمكن سماع عذاب القبر؟!! ، نرجو الإيضاح في أسرع وقت ممكن ، فنحن في حيرة من أمرنا !!”

فكان جواب فضيلته كالتالي:-

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ـ بعض النظر عن صحة هذا الشريط الذي سمعناه ، ومدى صدق دعوى من ادعى أنه رآى وسمع ما فيه ، ثم سجله ، وقد عرض على قناة أمريكية في شيكاغو ، وجعل دليلا على أن ذلك الشخص في سيبريا انفتح له ثقب إلى الجحيم ـ عذاب القبور ــ فسمع أصوات المعذبين ورآهم ، بغض النظر صحة الشريط الذي أذاعته القناة الامريكية ، فقد يكون كذبا ويكون الشريط المسجل مركبا غير حقيقي . بغض النظر عن ذلك كله ، فالجواب على سؤال السائل عن إمكانية رؤية أو سماع عذاب القبر ، ننقل ما ذكره شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الشأن :

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى :-

كان هذا مما يعتبر به الميت في قبره ، فإن روحه تقعد وتجلس وتسأل وتنعم وتعذب وتصيح وذلك متصل ببدنه ، مع كونه مضطجعا في قبره ، وقد يقوى الأمر حتى يظهر ذلك في بدنه ، وقد يرى خارجا من قبره والعذاب عليه وملائكة العذاب موكلة به ، فيتحرك ببدنه ويمشى ويخرج من قبره ، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم ، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب ، ومن يقعد بدنه أيضا إذا قوى الأمر ، لكن هذا ليس لازما في حق كل ميت ، كما أن قعود بدن النائم لما يراه ليس لازما لكل نائم ، بل هو بحسب قوة الأمور ) مجموع الفتاوى 5/526.

ومما يدل على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا ، هذا الأثر : عن العوام بن حوشب ـ إمام محدث حدث عن إبراهيم النخعي ومجاهد تلميذ بن عباس رضي الله عنها ـ قال (نزلت مرة حيا ، وإلى جانب الحي مقبرة ، فلما كان بعد العصر انشق فيها القبر ، فخرج رجل راسه راس الحمار ، وجسده جسد إنسان ، فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر ، فإذا عجوز تغزل شعرا أو صوفا ، فقالت امرأة : ترى تلك العجوز ؟ قلت : ما لها ؟ قالت : تلك أم هذا . قلت : وما كان قصته ؟ كان يشرب الخمر ، فإذا راح تقول له أمه : يا بني اتق الله إلى متى تشرب هذه الخمر ؟ ! فيقول لها : إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار ! قالت : فمات بعد العصر . قالت : فهو ينشق عنه القبر بعد العصر ، كل يوم فينهق ثلاث نهقات ، ثم ينطبق عليه القبر ) رواه الاصبهاني وغيره ، وقال الاصبهاني حدث به أبو العباس الأصم إملاء بنيسابور بمشهد من الحفاظ فلم ينكروه . صحيــــــــــح الترغيب والترهيب للعلامة الألباني 2/665.

والعجب كل العجب أن ما يقول هذا الكافر أنه رآه وسمعه وسجله ، من أنهم رجال ونساء عراة يصيحون من شدة العذاب ، ينطبق تماما على ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصف عذاب القبر الذي يعذب به الزناة والزواني ، وذلك في الحديث الطويل الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أتاه آتيان ، فانطلقا معه ، وانه رأى عذاب المعذبين في حديث طويل ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : (فأتينا على مثل التنور – قال: فأحسب أنه كان يقول: -فإذا فيه لغط وأصوات. قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت: ما هؤلاء؟ ثم ذكر الحديث وفيه : وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني ) رواه البخاري من حديث سمرة بن جندب .

وما أشبه صوت المعذبين في الشريط الذي يزعم هذا الرجل أنه سجله عندما أرعبته رؤية المعذبين وسماع أصواتهم في الجحيم ، ما أشبهه بهذا الحديث الذي قاله صلى الله عليه وسلم عن عذاب الزناة والزواني ،وأنه سمع (أصوات ولغط) ، وهو الصوت المرعب الذي يسمع من الشريط أجارنا الله وإياكم ونعوذ بالله تعالى من غضبه ، والعجب انه أذيع على قناة أمريكية ، وسجله شخص كافر لايعرف شيئا عن عذاب القبور ، ولا عما ورد في سنة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ومن المعلوم أن سيبيريا قد دفن فيها ستالين الطاغية الملحد أثناء حكمه ملايين البشر الذين قتلهم وهجرهم فماتوا هناك ، فهي مقبرة عظيمة مليئة بقبور الكفار ، فسبحان الله تعالى ، ونعوذ بالله تعالى من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ونعوذ بالله تعالى من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وشر فتنة المسيح الدجال . نسأل الله السلامة والعافية. انتهى.

قد رجعنا إلى نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فوجدناه كما هو منقول بنصه، وهو كلام مقبول شرعا وعقلا إلا أن العادة قد تنكر ذلك، ولكن كما هو واضح فإن شيخ الإسلام قال : هذا الأمر ليس لازما لكل ميت، وقال : قد يقوى العذاب ويصل إلى هذا الحد، ثم إن حياة الميت في داخل القبر لينعم، أو يعذب ببدنه وروحه هو القول الصحيح في المسألة، فلم يبق إلا أن يرى الناس ذلك في بعض الحالات، أو يسمعوه، فأي عجب في ذلك؟

على أن هذه الحياة التي يتحدث عنها شيخ الإسلام ليست حياة حقيقية كحياة البشر بحيث تمكنه مما يمكن منه البشر، ولكن هذه الحياة إنما هي لغرض مخصوص.. هو النعيم، أو العذاب فقط.

وأما الحديث الذي جاء في صحيح الترغيب والترهيب قد صححه الشيخ الألباني، والذي نحب أن نؤكده أن الحديث الذي ذكره الشيخ الألباني ليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه واقعة عين وقعت في حياة الصحابي.

على أن هذه الأمثلة ستبقى في حكم النوادر؛ لأن الأصل العام أن الأحياء من الإنس والجن لا يسمعون أصوات الموتى في القبور. وأما صوت الميت قبل دخول القبر فيسمعه كل أحد إلا الإنسان. وذلك للأدلة الآتية:-

1- ما رواه البخاري من حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ).

يقول الحافظ ابن حجر:-

استدل به على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان ناطق وغير ناطق، لكن قال ابن بطال: هو عام أريد به الخصوص، وإن المعني يسمعه من له عقل كالملائكة والجن والإنس، لأن المتكلم روح وإنما يسمع الروح من هو روح مثله.

وتعقب بمنع الملازمة إذ لا ضرورة إلى التخصيص، بل لا يستثنى إلا الإنسان كما هو ظاهر الخبر، وإنما اختص الإنسان بذلك إبقاء عليه، وبأنه لا مانع من إنطاق الله الجسد بغير روح كما تقدم.

2- ما رواه البخاري من حديث أنس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ).

يقول الحافظ ابن حجر في توجيه هذا الحديث:-

يؤخذ من هذا الحديث أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافا لمن رده واحتج بقوله تعالى (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) الآية قال: فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثا وهو خلاف النص، والجواب بأن المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى.انتهى.

3- ما رواه مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر”.

يقول الإمام المناوي في فيض القدير تعقيبا على هذا الحديث:-

معنى قوله ( لولا أن لا تدافنوا) أنهم لو سمعوه لتركوا التدافن حذراً من عذاب القبر، أو لاشتغل كل بخويصته حتى يفضى بهم إلى ترك التدافن، وقيل : لا زائدة ، و معناه :( لولا أن تموتوا من سماعه) ؛ فإن القلوب لا تطيق سماعه فيصعق الإنسان لوقته فكنى عن الموت بالتدافن، ويرشد إليه قوله في الحديث الآخر لو سمعه الإنسان لصعق أي مات.

وفي رواية لأحمد (لولا أن تدافنوا)بإسقاط لا، وهو يدل على زيادتها في تلك الرواية، وقيل أراد لأسمعتكم عذاب القبر أي صوته ليزول عنكم استعظامه واستبعاده

وإنما أحب إسماعهم عذاب القبر دون غيره من الأهوال لأنه أول المنازل، وفي الحديث أن الكشف بحسب الطاقة ومن كوشف بما لا يطيقه هلك .

قال بعض الصوفية: الاطلاع على المعذبين والمنعمين في قبورهم واقع لكثير من الرجال وهو هول عظيم يموت صاحبه في اليوم والليلة موتات ويستغيث ويسأل اللّه أن يحجبه عنه وهذا المقام لا يحصل للعبد إلا بعد غلبة روحانيته على جسمانيته حتى يكون كالروحانيين فالذين خاطبهم الشارع هنا هم الذين غلبت جسمانيتهم لا من غلبت روحانيتهم والمصطفى صلى اللّه عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بما يليق بهم.انتهى.

وبعد هذا كله لا نرى مانع من أن يكون الصوت المسموع صوتالموتى في قبورهم، ولكن عرفنا من الأحاديث أن صوت الموتى وهم يساقون إلى القبور لا يمكن سماعه لسبب واحد . هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من سمعه صعق أي مات.

والله أعلم.