السؤال:

هل سآخذ بيد من غشني وسرقني إلى الجنة؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،، هناك أمر يلتبس علي فهمه ولست واثقا من صحة ما أسمعه، وآمل بشدة أن أسمع ما يريحني. هل لا يدخل المسلم الجنة دون زوجته (تحديدا)؟ أو دون الأفراد الذين وقع بينه وبينهم خلافات حتى يدخلوا الجنة معا ويأخذوا بيد بعضهم البعض؟   وهل على الفرد أن ينزع من نفسه أي مشاعر سلبية نحو الآخرين حتى لا يؤخر دخوله الجنة، فلن يدخلها إلا بعد نزع البغضاء بينه وبين الآخرين يوم الحساب بالتراضي؟ وإذا كان ذلك صحيحا هل هناك من أدلة من القرآن والسنة على ذلك؟    وإذا كان كل ذلك صحيحا ألا يكون ذلك مدعاة لأن يطلق الرجل المرأة التي يبغضها، مهما كان مما ترتب على الزواج من تشابك علاقات ومصالح وأبناء؟ وحتى لا يزداد بغضا لها على الأقل يوما بعد يوم؟ وألا يكون ذلك مدعاة لأن يقاطع شريكا له في مشروع ما حتى بعد أن سرقه ذلك الشريك فيترك له ما سرق؟ وكيف لرجل رضي مكرها أن يستمر على زواج من اكتشف أنها زنت مع خطيبها قبل زواجها منه وقد رضي الزوج بالاستمرار بعد أن علم بعد سنوات عديدة من الزواج من أجل المحافظة على بناته؟ كيف له أن لا يدخل الجنة إلا معها وقد أدرك أنها كانت تدبر وتخدع وتلوي الذراع لتسلب فوق ذلك من أمواله خاصة عندما رأته متمسك ببناته ليحميهم منها وليحسن تربيتهم ؟ آمل أن أتلقى إجابة وافية مرضية.. جزاكم الله خيرا.  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

الأخ الفاضل:-

يبدو أن هذا الفهم قد أتاك من قوله تعالى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}

فتصورت أن كل شريكين ، وكل زوجين، وكل صديقين لن يدخلا الجنة إلا إذا تغافرا وتصافحا، وعفا كل واحد عن ظلم أخيه له، وأنهما لن يدخلا الجنة دون ذلك.

ويبدو أن ذلك شق عليك إذ أن من مقتضى هذا أن يعفو الزوج عن زوجته الخائنة حتى يدخل الجنة وإلا فلن يدخل الجنة وحده، فلن يجد أمامه إلا أن يعفو حتى يدخل الجنة برغم ما يجده في قلبه من لوعة وأسى، وإما أن يفارق زوجته، أو يقاطع صديقه، أو يفض الشركة بينه وبين شريكه حتى يتخلص من هذه المعادلة الصعبة … بل ليتخلص من هذه المتباينة.

ولكن- أخي الفاضل- الأمر ليس كما فهمت، أو كما فهم لك.

فالمقصود من الآية أن من يدخلون الجنة – بعد استحقاق الدخول- سينتزع الله من قلوبهم الغل والحقد والحسد،وسيخلع عليهم الرضا والتسامح، ولن يجد الإنسان في قلبه ما يجده الآن تجاه من يرافقه في الجنة، وهذا أمر تولاه الله بنفسه، ولم يكلف به عباده.

وأما من زنا بزوجة مسلم واغتصبها فإن الله عز وجل سيقتص منه ، وسيحكم زوجها في حسناته ، ويقول له: خذ من حسنات من زنا بزوجتك حتى ترضى، وما أظن أحدا يرضى ساعتها إلا إذا جرده من كل حسناته.

أما عن حكم إمساك الزوجة بعد التأكد من زناها لمصلحة الأطفال فهذا راجع إلى نفسية الزوج وقدرته على التحمل، وهو ما يُنصح به إذا وثق من توبة زوجته، أما إذا كانت الزوجة لا تزال متمادية في غيها فالنصيحة أن يطلقها بل يجب تطليقها كما ذكر الفقهاء إذا نُصِحت فلم ترتدع.

أما العلاقة بين الظالم وظالمه فترسمها هذه الآيات من سورة الشورى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ {39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {40} وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ).

وخلاصة هذا المنهج أن من وقع عليه السب والأذى كان بين ثلاثة خيارات :-

الأول: أن يعفو ويصفح، لينال أجر المتقين، كما قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. ) [آل عمران:133،134]

وقال تعالى: ( فمن عفى وأصلح فأجره على الله ) [الشورى:40] وقال: ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) [النور:] [النور:22].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ” وما جاء في معناها من النصوص كثير.

والخيار الثاني: الإمساك عن العفو والصفح ليلقي المذنب ربه بما اقترف من الإثم.

لكن – كما قال بعض السلف – ما يفيدك أن يعذب الله أحداً لأجلك؟ مع ما يفوتك من أجر العفو، لو عفوت.

أما الخيار الثالث: فهو المقاصة، ومقابلة السيئة بمثلها دون تجاوز. لقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله) [الشورى: 40] وقوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً إن تبدوا خيراً أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً ) [النساء: 140،149] وقوله تعالى: ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) [الشورى:41-43]

ولا شك أن المقام الأول هو أعلى المقامات، وأفضل الخيارات، لما جاء فيه من الأجر والثواب.

ومما يؤكد ذلك أن الآيات التي أفادت إباحة المقابلة بالمثل قرنت بالدعوة والترغيب في العفو ، والعفو معناه تحمل الإساءة والصبر على آثارها في النفس أو العرض أو غيرهما، رجاء ثواب الله وحسن العاقبة لديه. وعليه فمن اختار مقام العفو والصفح لم يطلب الاعتذار.

وقد قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية:-

ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغُلِّ من صدورهم. والنزع: الاستخراج. والغِل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غِلال. أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغِل في الدنيا. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: [الغل على باب الجنة كمَبَارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين] . وروىٰ عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالىٰ فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. وقيل: نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل منازلهم. وقد قيل أن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} (الإنسان: 21) .

والله أعلم.