السؤال:

أنا متزوج وأسكن مع أهلي ويتكونوا من والدي ووالدتي وأخوتي والمشكلة هي أن والدتي وأهلي يتدخلون في كل تفاصيل حياتي الزوجية من أدناها إلى أعلاها مما يجعلني أشك بأني زوج ورجل ودائما ألجأ إلى حل المشكلات بالسكوت والصمت وعدم الرد إلا أن والدتي أخيراً صارت تلعنني وتدعي علي بجهنم فقط لأني حسب تفكيرها وقولها لا أضغط على زوجتي ولكني دائما افكر فيما يقوله الشرع قبل الوالدين فلا أريد أن أظلم بنت الناس معي ولا أريد أن أغضب الوالدين .. لا أعلم ماذا أفعل وما الحل ولا أستطيع أن أستقل بمسكن خاص لأن حالتي المادية لا تسمح الآن بذلك .

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

أيها السائل الكريم من حق المرأة أن يكون لها سكن مستقل خاص بها ، ويجب على الزوج أن يوفر لها هذا المسكن ، بحسب ما يتناسب مع حالها في حدود قدرة الزوج. فأجدى علاج لك أيها السائل الكريم أن تستقل بسكن خاص بك بعيدا عن مصدر المشاكل المتمثل في الأب والأم حتى ولو كان هذا السكن أقل من السكن الذي خصصه لك والدك فهذا أهدى لكم وأجدى.

فإن لم تستطع أخذ هذا السكن فما عليك أيها السائل الكريم، إلا أن تحاول أن تصلح بين القلوب وأن تعمل على تليين قلب الوالدة ـ هداها الله لك، وفي الوقت نفسه عليك بشد أزر زوجتك الصبورة وألا تستجيب للأم إن كانت ظالمة لزوجتك وهذا ليس من العقوق في شيء لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا في ظلم العباد ، وأن ذلك لا يعد عقوقا لأمه ، وفي الوقت نفسه ننصحك بأن تعامل أمك بالبر والإحسان فهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث معاوية بن جاهمة أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: ” هل لك أم؟” قال: نعم. قال: ” فالزمها فإن الجنة تحت رجليها” رواه النسائي وغيره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأقره المنذري وحسن إسناده الألباني ورواه ابن ماجه عن معاوية بن جاهمة بلفظ آخر، وفيه: قال: ” ويحك؛ أحية أمك؟” قلت: نعم يا رسول الله، قال: ” ويحك؛ الزم رجلها فثم الجنة”

قال السندي في شرح سنن ابن ماجه:

قال السخاوي:  إن التواضع للأمهات سبب لدخول الجنة، قلت: ويحتمل أن المعنى أن الجنة أي نصيبك منها لا يصل إليك إلا من جهتها، فإن الشيء إذا صار تحت رجلي أحد فقد تمكن منه، واستولى عليه بحيث لا يصل إلى آخر إلا من جهته. انتهى.

فإن أنت قمت ببر أمك وصبرت زوجتك وكانت أمك هي الظالمة ثم دعت عليك في هذه الحالة فإن الله لا يستجيب دعاء الظالمين وفي الوقت نفسه ننصحك ببر الأم، وإن كانت مسيئة في حق زوجتك، وليس لكما إلا الصبر حتى يغنيكم الله من فضله إنه على كل شيء قدير.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد ، من علماء المملكة العربية السعودية :

يجب على الزوج أن يؤمن لزوجته مسكناً يسترها عن عيون الناس ويحميها من البرد والحر بحيث تسكن وتستقر وتستقل به ، ويكفي من ذلك ما يلبي حاجتها كغرفة جيدة الحال مع مطبخ وبيت خلاء إلا أن تكون الزوجة اشترطت سكناً أكبر من ذلك حال العقد ، أو جرى العرف على ذلك، وليس له أن يوجب عليها أن تأكل مع أحدٍ من أحمائها .

وتوفير المسكن يكون على قدر طاقة الزوج بحيث يليق عُرفا بحال الزوجة ومستواها الاجتماعي ، ودليل ذلك :

أ ـ قال ابن حزم رحمه الله : ويلزمه إسكانها على قدر طاقته لقول الله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } [ سورة الطلاق / 6 ] . ” المحلى ” ( 9/ 253 ) .

ب ـ وقال ابن قدامة رحمه الله : ويجب لها مسكن بدليل قوله سبحانه وتعالى { أسكنوهن … } ، فإذا وجبت السكنى للمطلَّقة فللتي في صلب النكاح أولى ، قال الله تعالى { وعاشروهن بالمعروف .

ومن المعروف أن يسكنها في مسكن ، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون ، وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع. “المغني ” ( 9 / 237 ) .

ج ـ قال الكاساني رحمه الله : ولو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها أو مع أحمائها كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها وأقاربها ، فأبت ذلك عليه فإن عليه أن يسكنها منزلا منفردا … ولكن لو أسكنها في بيت من الدار _ ( أي في غرفة ) _ وجعل لهذا البيت غِلقاً على حدة كفاها ذلك وليس لها أن تطالبه بمسكن آخر لأن الضرر بالخوف على المتاع وعدم التمكن من الاستمتاع قد زال .”بدائع الصنائع “( 4 / 23 ).

د ـ قال الحصكفي رحمه الله – من السادة الحنفية – : وكذا تجب لها السكنى في بيت خالٍ عن أهله وأهلها بقدر حالهما كطعام وكسوة وبيت منفرد من دار له غلق ومرافق ومراده لزوم كنيف (أي : بيت خلاء ) ومطبخ كفاها لحصول المقصود .أ.هـ.

وعلَّق ابن عابدين فقال : والمراد من ( الكنيف والمطبخ ) أي : بيت الخلاء وموضع الطبخ بأن يكونا داخل البيت (أي : الغرفة ) أو في الدار لا يشاركهما فيهما أحد من أهل الدار .أ.هـ

وعلى هذا فيجوز للزوج أن يسكن الزوجة في غرفة من البيت يتبعها مرافقها إذا لم تكن هناك فتنة أو خلوة بأحد ممن لا تحرم عليهم ، وكانوا في سن البلوغ ، وليس له أن يجبرها على العمل لهم في المنزل أو أن تأكل وتشرب معهم ، وإذا استطاع أن يوفّر لها سكنا منفصلا عن سكن أهله تماما فهذا أحسن .

ولكن إذا كان والداه كبيرين يحتاجان إليه وليس لهما من يخدمهما ولا يُمكن خدمتهما إلا بالسّكن بجوارهما فيجب عليه ذلك .

وأخيراً :

ندعو الزوجة إلى التحلّي بالصبر والعمل على إرضاء الزوج ومساعدته ما أمكن في برّ أهله حتى يأتي الله بالفرج والسّعة ، وندعو والد الزوج أن يتقي الله في زوجة ابنه ولا يتجسس عليها ولا يسبها، وليحسن أخلاقه في آخر حياته ، حتى تكون خاتمته حسنة إن شاء الله، وعلى الأولاد أن يحثوه على ذلك ، وصلى الله على نبينا محمد . (انتهى).

والله أعلم .