السؤال:

هناك حديث مشتهر بين الناس وهو " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " ، فهل معناه كما هو شائع أن الإنسان حين يخطئ ويعصي يحرمه الله تعالى رزقا بسبب المعصية ، مع كوني أعلم أن الرزق مكتوب، فكيف يكون مكتوبا ويحرم منه ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فإن الحديث مختلف في حكمه ، بين القول بضعفه وتحسينه وتصحيحه ، ومع  افتراض صحة الحديث ، فإن الرزق لا يمنع من العبد، ولو أذنب ، وإنما يحمل المعنى هنا بمعنى التأخير لأجل ، أو بمعنى نزع البركة منه ، فلما حرم المقصود منه، كأنه حرم من عينه .
الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن ثوبان ‏قال ‏ :قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏:”  إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر.”
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية : وعن ثوبان مرفوعا { إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وإنه لا يرد القدر إلا الدعاء , ولا يزيد في العمر إلا البر } رواه أحمد عن وكيع عن سفيان عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان . ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع , كلهم ثقات وعبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى .
وصححه الحاكم كما نقل ذلك الإمام العراقي في تحقيقه للإحياء . وضعفه الشيخ الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير ، وفي رواية لابن ماجه :” لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها” ، قال الشيخ الألباني : حسن دون( وإن الرجل ). وقال الكلام نفسه في ” تخريج الطحاوية “.
وإن كان الإمام ابن مفلح قد حسنه حسبما يفهم من كلامه  عن الرواة بأن ” كلهم ثقات” ، وصححه الحاكم ، وضعفه الشيخ الألباني ، فيبقى أن يعرض الحديث على أدلة أخرى من الكتاب والسنة .
والمفهوم من الكتاب والسنة أن الرزق من نعم الله تعالى على خلقه جميعا ، مسلمهم وكافرهم ، وأنه لا فرق في الرزق بين الناس على أساس الإيمان والكفر ، وقد قال تعالى:” هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ” .
وقد كفل الله تعالى الرزق لخلقه جميعا، كما جاء في القرآن  مثل قوله تعالى:” وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين “.
وقوله تعالى: “وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون “. وقوله: “فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور”.
كما جاءت الأحاديث لتدل على أن لكل إنسان رزقا معلوما كتبه الله تعالى له، وهو لا يزال جنينا في بطن أمه لا يتغير، وإنما يسعى المرء لتحصيله وليس لإنشائه ، فقد روى البخاري وغيره عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : ‏حدثنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وهو الصادق المصدوق قال :”‏‏إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم ‏ ‏علقة ‏ ‏مثل ذلك ثم يكون ‏. ‏مضغة ‏ ‏مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع برزقه وأجله وشقي أو سعيد..” .
قال ابن حجر : ومعنى قوله شقي أو سعيد أن الملك يكتب إحدى الكلمتين كأن يكتب مثلا أجل هذا الجنين كذا ورزقه كذا وعمله كذا وهو شقي باعتبار ما يختم له وسعيد باعتبار ما يختم له كما دل عليه بقية الخبر.
وهذا يعني أن رزق الإنسان المكتوب له لا يزيد ولا ينقص ، وأن سعي الإنسان هو تحصيل لما له عند الله تعالى ، وأن توقفه عن السعي توقفه عن تلقي الرزق في حينه ، ولكن لا حرمانه مطلقا من شيء من رزقه المكتوب ، وقد جاء في حديث أبي الدرداء عند أحمد” فرغ الله إلى كل عبد من خمس : من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه ” .
والكتابة هي كتابة في الصحفية كما هو الظاهر ، وهي كتابة نهائية لا تتغير ، كما جاء في صحيح مسلم :” ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص “، وفي رواية الفريابي ” ثم تطوى تلك الصحيفة إلى يوم القيامة ” .ووقع في حديث أبي ذر ” فيقضي الله ما هو قاض فيكتب ما هو لاق بين عينيه . وتلا أبو ذر خمس آيات من فاتحة سورة التغابن ” ، وقد ساق الإمام ابن حجر كل هذه الأحاديث تعليقا على الحديث .
ويدل على المعنى أيضا حديث :” إن روح القُدُس نفث في روُعي  لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب”
رواه في مسند الفردوس عن جابر في حرف الهمزة، ورواه في حرف النون عنه بلفظ نفث في روعي روح القدس أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل رزقها – الحديث، ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة والبزار عن حذيفة، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وصححه الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري، وضعفه السيوطي .
وعلى كل  ، فإن الله تعالى لا يمنع أحدا من رزقه أبدا ، لما يلي :
1- أن الرزق من أعمال الربوبية، وقد تكفل الله تعالى بالرزق لكل خلقه ، فهو يرزق الكافر الذي لم يعتقد فيه ، ولم يؤمن بوحدانيته ، فكيف يمنع المؤمن المقر بتوحيده من الرزق ، مع خطأه ومعصيته ، مع اعتبار أن المعصية أمر يقع فيه كل الناس إلا من عصمهم الله تعالى ، وهم الأنبياء والملائكة . ولو كانت المعصية سببا في الحرمان ، لكان الكفر أولى ، ولم يسلم به أحد ، فكان عدم التسليم بحرمان الرزق بسبب المعصية أولى .
2- أن الحرمان من معانيه المنع ، والمنع قد يرتبط بالشيء ، وقد يرتبط بالزمن ، يعني أنه يحرم منه في زمن المعصية ، أو قد يحرم من عين الرزق ، مع إعطائه له في وقت آخر ، أوفي شكل آخر ، حيث إن الرزق ليس له شكل واحد .
3- أن الحديث وإن قيل بحسنه أو تحسينه ، مع كون التضعيف واردا ، لكنه يحمل على الوجه الذي لا يتعارض مع كرم الله تعالى لخلقه جميعا ، فيكون معنى الحرمان في الحديث هو التأخير ، أو نزع البركة، ولما نزعت البركة من الرزق، فأنفق في غير نفع يعود على الإنسان ، فكأنه حرم منه .
4- غير أن الذي يجب أن يتقرر أن الله تعالى ، وهو ” الرزاق” لا يمنع عباده أبدا من الرزق، وإن أخر بعضه عنه، لكنه هو الذي يرزق عباده جميعا  كما قال تعالى :” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين “. والآية في خطاب الإنس والجن جميعا ، مؤمنهم وكافرهم ، فهو الذي يرزق الخلق كلهم .
وإنما فهم الحديث جريا على معاملة الناس فيما بينهم ، مع فهم الحديث بظاهره، غير أن معاملة الخالق العظيم غير معاملة المخلوق، وكما قال تعالى: “ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى “.
وإن كان الله تعالى قد تكفل الرزق والأجل للإنسان ، لا دخل له شخصيا ، فضلا عن غيره فيهما ، فهذا يعني أن يستقر الإيمان في قلب العبد ، وأن يؤدي شكر الله تعالى له ، وإن عصاه ، فإنه يعاقب بمعصيته، ويعاقب بتأجيل رزق كان سيأتي إليه ، أو حرمان البركة منه .
والله أعلم