السؤال:

أود أن أسأل فضيلتكم عن حكم الشرع والأراء المتعددة في زواج الرجل من الحبلى من زنى منه؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

جاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي ـ أستاذ الشريعة بالجامعات السورية[1]:

يحل بالاتفاق للزاني أن يتزوج بالزانية التي زنى بها، فإن جاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من وقت العقد عليها، ثبت نسبه منه، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد لا يثبت نسبه منه، إلا إذا قال: إن الولد منه، ولم يصرح بأنه من الزنا.
إن هذا الإقرار بالولد يثبت به نسبه منه لاحتمال عقد سابق أو دخول بشبهة،حملاً لحال المسلم على الصلاح وسترًا على الأعراض.
أما زواج غير الزاني بالمزني بها، فقال قوم كالحسن البصري: إن الزنا يفسخ النكاح. وقال الجمهور: يجوز الزواج بالمزني بها. ومنشأ الخلاف آية: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)  [النور/3]

الفريق الأول:

 يأخذ بظاهر الآية، والكلام خرج مخرج التحريم.

 والفريق الثاني (الجمهور):

 حملوا الآية على الذم، لا على التحريم، لما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر والبيهقي عن عائشة: “لا يحرم الحرام الحلال”.
ثم اختلف الجمهور في التفصيل، فقال الحنفية:

 إذا كانت المزني بها غير حامل، صح العقد عليها من غير الزاني، وكذلك إن كانت حاملاً يجوز الزواج بها عند أبي حنيفة ومحمد، ولكن لا يطؤها ، أي لا يدخل بها حتى تضع الحمل، للأدلة الآتية:
أولاً: لم تذكر المزني بها في المحرمات، فتكون مباحة، ، لقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء/24].
ثانيًا: لا حرمة لماء الزنا، بدليل أنه لا يثبت به النسب، للحديث السابق: “الولد للفراش، وللعاهر الحجر”، وإذا لم يكن للزنا حرمة، فلا يكون مانعًا من جواز النكاح.
وإنما امتنع الدخول بالحامل من الزنا حتى تضع الحمل، فلقوله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقين ماءه زرع غيره” يعني وطء الحوامل من غيره.
وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز العقد على الحامل من الزنا؛ لأن هذا الحمل يمنع الوطء، فيمنع العقد أيضًا، كما يمنع الحمل الثابت النسب، أي كما لا يصح العقد على الحامل من غير الزنا، لا يصح العقد على الحامل من الزنا.
وقال المالكية: لا يجوز العقد على الزانية قبل استبرائها من الزنا بحيضات ثلاث أو بمضي ثلاثة أشهر، فإن عقد عليها قبل الاستبراء، كان العقد فاسدًا، ووجب فسخه، سواء ظهر بها حمل أم لا ، أما الأول (ظهور الحمل) فللحديث السابق: “فلا يسقين ماء زرع غيره” وأما الثاني فللخوف من اختلاط الأنساب.
وقال الشافعية: إن زنى بامرأة، لم يحرم عليه نكاحها، لقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء/24].  ولحديث عائشة السابق: “لا يحرم الحرام الحلال”.
وقال الحنابلة: إذا زنت المرأة، لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين:
أحدهما: انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا، فقضاء عدتها بوضعه، ولا يحل نكاحها قبل وضعه، للحديث السابق: “فلا يسقين ماءه زرع غيره”

والحديث الصحيح: “لا توطأ حامل حتى تضع” وهذا رأي مالك.
والثاني: أن تتوب من الزنا، للآية السابقة: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)  [النور/3] وهي قبل التوبة في حكم الزنا، فإذا تابت زال التحريم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”. ولم يشترط باقي الأئمة هذا الشرط.
والله أعلم.

[1] الفقه الإسلامي وأدلته (9/6648-6650) دار الفكر ـ دمشق ـ الطبعة الرابعة معدلة ـ 1418هـ 1997م.