السؤال:

ما هو حكم الطلاق اثناء الغضب الشديد وهو فالأصل كارهاً له؟

الجواب:

ذكرت أنك كنت كارها للطلاق غير مختار له، وأنك كنت في حالة غضب شديدة فإذا كان الأمر كما ذكرت فاعلم أن المختار للفتوى أن الغضب الذي يخرج صاحبه عن حالته العادية، بحيث يرى منه أثناء الغضب ما ليس من عادته، ويكون طلاقه متأثرا بموقف أفقده صوابه، وأصابه بالذهول، ولم يترك له فرصة للتفكير، فأوقع الطلاق، ثم لما أفاق ندم وحزن، وقال ما طلقت إلا لشدة ذهولي وغضبي فمثل هذا الغضب لا يقع في أثنائه الطلاق، وأولى من هذا من صار كالمجنون فلا يقع طلاقه.

أما إذا كان الغضب لا يزال في أول درجاته، بحيث يقصد الرجل ما يقول ويعلمه فلا شك في وقوع الطلاق في هذه الحالة.

وعليه فأنت أدرى بالحالة التي تم فيها الطلاق.

يقول الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر الشريف :-

روى أبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا طلاق ولا عَتاق في إغلاق”، وفسَّر أحمد بن حنبل الإغلاق بالغضب، وفسره غيره بالإكراه، وفُسر بالجنون أيضًا. وقيل: هو نهي عن إيقاع الطلاق الثلاث دَفْعة واحدة، فيُغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شيء.

وجعلوا الغضب ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يُزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.

الثاني: ما يكون في مبادئه، بحيث لا يمنع صاحبه عن تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع.

والثالث: أن يستحكم ويشتد به، فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته، بحيث يندم على ما فَرَطَ منه إذا زال، فهذا محل نظر، وعدم الوقوع في هذه الحالة قوى متَّجَه.

وأنصح من يَستفتون أن يَصْدقوا في تصوير حالة غضبهم، فكثير منهم يدَّعى زوال عقله، وليس للمسئول إلا ما يسمعه منه، فعلى السائل أن يتقى الله سبحانه.

“الفتاوى الإسلامية مجلد 6 ص 2029 ومجلد 9 ص 3155″.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي :-

من الواجب أن نعرف المقياس الذي نحدد به حالة الغضب التي لا يقع فيها الطلاق، من الحالات الأخرى . لأن ترك مثل هذا الأمر بلا ضوابط يؤدي إلى البلبلة والاضطراب.

وقد رأينا الإمام ابن القيم – ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية – يميلان إلى جعل المقياس هو انعدام القصد والعلم . فمن فقد قصده إلى الطلاق وعلمه بما يقول فهو في حالة الإغلاق الذي لا يقع به الطلاق.

ولكن علامة الحنفية الشيخ ابن عابدين في حاشيته المشهورة على ” الدر المختار ” بعد أن نقل كلام ابن القيم في تقسيم أحوال الغضب إلى ثلاثة، كما ذكره في رسالته في حكم طلاق الغضبان، ملخصًا من شرح الغاية في الفقه الحنبلي، ” استظهر أنه لا يلزم في عدم وقوع طلاق الغضبان – وكذا المدهوش ونحوهما – أن يكون بحيث لا يعلم ما يقوله، بل يكتفي بغلبة الهذيان، وغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته، واختلاط جده بهزله، فهذا هو مناط الحكم، الذي ينبغي التعويل عليه.

فمادام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال، لا تعتبر أقواله، وإن كان يعلمها ويريدها، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح. كما لا يعتبر من الصبي العاقل “. (حاشية ابن عابدين، جـ 2، ص 587، ص. استانبول).

وعندي أن ما ذكره ابن عابدين مقياس دقيق وضابط سليم. فالغضب المعتبر هو الذي يفقد الإنسان اتزانه في الكلام والتصرف، بحيث يقول ويفعل ما ليس من شأنه ولا من عادته في حال الهدوء والرضا.

ولنا أن نضيف علامة أخرى . نميز بها الغضب المستحكم من غيره، وقد نبه عليها ابن القيم في ” الزاد ” وهي أن يندم على ما فرط منه إذا زال الغضب، فندمه بمجرد زوال الغضب يدل على أنه لم يكن يقصد إلى الطلاق.