السؤال:

ما حكم لقطة الحرم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فالأشياء الضائعة في الحرم لا يجوز لأحد أخذها إلا إذا كان أخذها بنية البحث عن صاحبها، أو تسليمها للجنة المختصة بحفظ اللقطة، أما أخذها لغير ذلك فحرام، وعلى هذا الرجل أن يتوب من أخذه لهذه الشاة، ومن تمام توبته أن يرد ثمن الأضحية إلى هذه اللجنة، فإن تعذر ذلك، جاز له أن يتصدق به في وجوه الخير عن صاحبه، ولصاحب الشاة الضائعة أجر الصدقة، ولهذا الرجل أجر التوبة.

يقول الشيخ  العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- :

الواجب على من وجد لقطة في الحرم أن لا يتبرع بها لمسجد ، ولا يعطيها الفقراء ولا غيرهم ، بل يعرفها دائمًا في الحرم في مجامع الناس قائلا :

من له الدراهم من له الذهب، من له كذا ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (لا تحل ساقطتها إلا لمعرف) وفي رواية (إلا لمنشد) وهو الذي ينادي عليها، وكذلك حرم المدينة، وإن تركها في مكانها فلا بأس، وإن سلمها للجنة الرسمية التي قد وكلت لها الدولة حفظ اللقطة برئت ذمته. انتهى.

ويقول الشيخ عطية صقر -من كبار علماء الأزهر- في كيفية التصرف بالمال الحرام :

من المعلوم أن الله -سبحانه- نَهانا عن أكل الحرام، وقرر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الله لا يقبل التصدُّق إلا بالمال الحلال؛ لأن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّبًا، وأن القليل من الحرام في بطن الإنسان أو على جسمه يمنع قبول الدعاء، ويؤدي في الآخرة إلى النار، والمال الحرام يجب التخلُّص منه عند التوبة، وذلك بردِّه إلى صاحبه أو إلى ورثته إن عُرفوا، وإلا وجب التصدق به تبرُّؤًا منه، لا تَبَرُّعًا للثواب.

قال الإمام الغزالي في كتابه ” الإحياء ” جـ 2 صـ 116 في خروج التائب عن المظالم المادية : فإن قيل : ما دليل جواز التصدق بما هو حرام، وكيف يتصدّق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنّه حرام، وحكي عن الفضيل أنه وقَع في يديه دِرهمان فلمّا علم أنهما من غير وجههما رَماهما بين الحجارة وقال : لا أتصدق إلا بالطَّيِّب، ولا أرضى لغيري مالاً أرضاه لنفسي؟

فنقول: نعم ذلك له وجه احتمال، وإنما اخترنا خلافَه للخبر والأثر والقياس.

فأما الخبر فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتصدُّق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام، إذ قال -صلى الله عليه وسلم- : “أطْعموها الأُسارى”. (والحديث قال فيه العراقي : رواه أحمد وإسناده جيد).
ولما نزل قوله تعالى : (الم* غُلِبَتِ الرُّومُ) كذبه المشركون وقالوا للصحابة : ألا ترون ما يقول صاحبكم؟ يزعُم أن الروم ستَغْلِب، فخاطرهم ـ أي راهنهم ـ أبو بكر رضي الله عنه، بإذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامَرهم به قال -صلى الله عليه وسلم- : ” هذا سُحت فتصدّق به”. وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القِمار بعد إذن الرسول -صلى الله عليه وسلم- له في المخاطرة مع الكفار.

وأما الأثر فإن ابن مسعود اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقُده الثمن، فطلبه كثيرًا فلم يجده، فتصدّق بالثمن وقال : اللهم هذا عنه إن رَضِيَ، وإلا فالأجر لي. وروي أن رجلاً سوّلت له نفسه فَغَلَّ مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردَّها عليه فأبى أن يقبضها وقال له : تفرق الجيش، فأتى معاوية فأبى أن يقبض، فأتى بعض النسّاك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدّق بما بقي.
فلما بلغ معاوية قوله تلهف إذ لم يخطر له ذلك. وذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك.

وأما القياس فهو أن يقال : إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير، إذ قد وقع اليأس من مالكه، وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر، فإذا رميناه في البحر فقد فوَّتناه على أنفسنا وعلى المالك، ولم تحصل منه فائدة، وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه، وحصل للفقير سَدُّ حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن يُنكر، فإن في الخبر الصحيح أن للغارس والزارع أجرًا في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه، وذلك بغير اختياره، وأما قول القائل : لا نتصدق إلا بالطَّيِّب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر، وتردّدنا بين التضييع وبين التصدق، ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع. انتهى.

وقد أخذ برأي الغزالي هذا ـ إجابة دار الفتوى على مثل هذا السؤال “الفتاوى الإسلامية ـ المجلد العاشر صـ 3571 “.

ويستأنس للقول بجواز توجيه المال الحرام إلى منفعة المسلمين إذا لم يُعرف صاحبه، بما فعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع المتسوِّل الذي طلب منه طعامًا، فأحاله على صحابي فأطعمه، ثم عاد يسأل فوجده محترفًا دون حاجة، ومعه زاد كثير،فأمر بطرحه أمام إبل الصدقة؛ لأنها منفعة عامة للمسلمين.

وجاء في تفسير القرطبي “جـ 3 صـ 366” ما نصه.

قال علماؤنا: إن سبيل التوبة ممّا بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردّها على من أربى عليه، ويطلبه إن كان حاضرًا، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر ولم يَدْرِ كَم الحرام من الحلال مما بيده فإنّه يتحرَّى قدر ما بيده مما يجب عليه رده، حتى لا يشكَّ أن ما يبقى قد خلص له فيردّه من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه، فإن أيِسَ من وجوده تصدّق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمّته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته، فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع، إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس، ما يستر العورة وهي من سرته إلى ركبته، وقوت يومه؛ لأنّه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه، وإنْ كرهَ ذلك من يأخذه منه.

وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء، لأن المُفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء، بل هم الذين صيَّروها إليه، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه، وأبو عبيدة وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يُواريه من سرته إلى ركبته، ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده، ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدَّى ما عليه. انتهى.

والله أعلم.