السؤال:

ما حكم تعدد الزوجات من دون إذن الزوجة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الأخت الفاضلة!

كم أقدر حالتك، وأحس بآلامك، وهذا أمر غير مستبعد، وأنا لا أدعوك أن تتركي غيرتك، ولا أحلم أن تكوني هادئة سعيدة بالتعدد فهذا أمر ضد طبيعة المرأة.

غير أن غاية ما أطلبه منك أن لا تضني على هذه الزوجة الجديدة بما قبلته  لنفسها، فقد قبلت أن تكون الزوجة الثانية الكسيرة، فلماذا لا ترضين لها هذا؟!

إن ما يزعجك، وينغص عليك حياتك أنك تعتبرين أن زوجك قد خانك، وظلمك، وآذاك، وقابل إحسانك بإيذاء بالغ.

وهذه فكرة غريبة على مجتمع الإسلام، فليس التعدد جريمة، ولا منكرا، ولا زورا، ولا ظلما للزوجة الأولى، وإلا فأخبريني أي ذنب  أذنبته السيدة أم المؤمنين عائشة حتى يتزوج عليها النبي صلى الله عليه وسلم؟

وهل أساء إليها حينما تزوج عليها؟ وهل نقص حبه لها بعد أن تزوج عليها؟

ألم يكن يقول : يارب! هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك؟ يقصد شدة ميله لعائشة.

أليس هو القائل فيما رواه البخاري ومسلم : “أحب الناس إلي عائشة، ومن الرجال أبوها”.

ألا فلتعلمي أختنا الفاضلة  أن الحب ليس قطعة حطب تحترق مرة واحدة… لا، ولكن القلب لديه القدرة على أن يحب مرة ومرات، والحب اللاحق لا ينسخ الحب السابق.

فهبي أن زوجك أحب هذه الزوجة الجديدة… أكان يرضيك أن ينفس عن حبه هذا في الحرام؟ فيرضيك في الدنيا ويفسد آخرته، أو تكون هي التي أحبته فأحب أن يعفها ويصونها.

أو تكون لديه الحاجة لامرأة أخرى، ولا يريد لك التصريح حتى لا يؤذيك.

واعلمي أن على قدر صبرك يكون أجرك، وكلما استبد بك الغضب اذكري أنك لست بأفضل من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

و إليك طائفة من فتاوى العلماء تبين حكم التعدد :

يقول الشيخ محمد حسين عيسى -من علماء مصر- :

للرجل إذا لم يكتف بزوجة واحدة ووجد نفسه يتطلع لأخرى، وحتى لا يقع في معصية الزنا والانشغال عن واجباته الدنيوية والدينية بكثير النظر والتفكر في غير زوجته؛ والله تبارك وتعالى يعلم حاجة الرجل “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” ، خاصة إذا كانت زوجته لا تقدر على إشباع رغباته أو تطول أيام حيضتها، أو تكون مريضة، أو تكون غير محبة للقيام بهذا الأمر، عند ذلك لا يجد الرجل ضرورة إلا أن يتزوج بامرأة اخرى.

وقد أباح الله عز وجل للرجل أن يتزوج على زوجته، ويكفيه أنه وهو في إمكانه أن يطلق زوجته ويتزوج بامرأة أخرى، أن يبقي زوجته الأولى وأن يضم إليها زوجة أخرى، وان ينفق عليها، وأن يعدل بينهما، فعند ذلك له الحق ولا يحتاج لموافقة زوجته الأولى، ورغم هذا ننصح الرجل أن يكون قد اتفق مع زوجته الأولى، وبين لها هذه الأسباب.

ورغم أن تعدد الزوجات أباحه الدين، فإن في تاريخ السنة: أن عليا (رضي الله عنه) أراد أن يتزوج على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان علي (رضي الله عنه) قد رغب في الزواج من بنت أبى جهل، فلم يرضَ النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم بذلك، وعندما أراد علي أن يفعل ذلك، بين النبي السبب وهو ألا يجتمع تحت رجل واحد بنت رسول الله وبنت أبي جهل عدو الله، ولكن عندما توفت السيدة فاطمة تزوج علي بأكثر من امراة، وجمع بين أكثر من امرأة؛ لأن المبرر لم يعد قائما، ومن هذه القصة نعلم أن عليا لم يقم بالزواج إلا بعد الاستئذان، وهذا من باب حسن السلوك، وليس واجبا، ولا فرضا شرعيا، ولكن تأسيا بعلي (رضي الله عنه) ومن مثل هذه الواقعة ندرك أنه يحسن للزوج أن يبين لزوجته وأن يخبرها بالأسباب؛ لتعينه على أن تستمر معه، ولكن ليس حقا لها، ولا تملك منعه. انتهى.

ويقول الشيخ محمد صالح المنجد -من علماء المملكة العربية السعودية- :

إن صبر المرأة على طاعة زوجها سبب من أسباب دخول الجنة، كما في الحديث الذي رواه ابن حبان ” إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها : ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت”. (والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير).

وصبرها على زواج زوجها بامرأة أخرى له أجر خاص فوق هذا من عدة وجوه :

الأول : أن زواج زوجها عليها يعد ابتلاء وامتحانا لها، فإن صبرت على ذلك كان لها أجر الصبر على البلاء، كما قال الله: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر /10].

وفي الحديث ” ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه”. (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة).

وروى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله و ما عليه خطيئة “. (وصححه الألباني في صحيح الجامع).

الثاني : أن المرأة إن قابلت ذلك بالإحسان إلى زوجها وإلى الزوجة الأخرى كان لها جزاء المحسنين (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين) يوسف/90، (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) الرحمن /60)، (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت /69].

الثالث : أنها إن حصل لها غيظ من ذلك، فكظمت غيظها، وكفت لسانها كان لها من كظم غيظه، قال الله عن أهل الجنة (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران /134].

فهذه أجور زائدة على أجر طاعة المرأة لزوجها في الأحوال العادية.

وينبغي للمرأة العاقلة أن ترضى بما قسم الله تعالى لها، وأن تعلم أن زواج زوجها من امرأة أخرى أمرٌ مباح فلا وجه للاعتراض عليه. وقد يكون في زواجه مزيد إعفاف وإحصان له، يمنعه من الوقوع في الحرام.

ومن المؤسف حقا أن من النسوة من يكون اعتراضهن على اقتراف الزوج للحرام أقل من اعتراضهن على زواجه بامرأة أخرى في الحلال، وهذا من قلة العقل ونقص الدين.

وينبغي للمرأة أن يكون لها أسوة حسنة في نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وصبرهن واحتسابهن مع وجود الغيرة عند كثير منهن، فإن أقدم زوجك على الزواج بثانية فعليك بالصبر والرضا والإحسان إليه لتنالي أجر الصابرين والمحسنين.

والله أعلم.