السؤال:

هل ينقض مس الذكر وضوء اللامس والملموس؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الراجح من أقوال الفقهاء أن من مس ذكره، فلم تتحرك شهوته، فليس عليه وضوء، أما من تحركت شهوته فيستحب له الوضوء من غير إيجاب.
وكذلك حكم الزوجة إذا مست ذكر زوجها يستحب لها الوضوء عند تحرك شهوتها دون إيجاب.
وأما مس الذكر دون أن تتحرك الشهوة فالراجح أنه لا يوجب الوضوء، ولا يستحب كذلك.
وأما عند خروج شيء فيعمل بمقتضاه، فإذا كان مذيا، وجب الوضوء، وإن كان منيا، وجب الغسل.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

من النواقض المختلف فيها: مس الذكر بيديه، ففيه ثلاثة أقوال.

القول الأول: لا ينتقض بحال، روي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار وحذيفة وعمران بن حصين وأبي الدرداء من الصحابة رضي الله عنهم. وهو قول ربيعة والثوري وابن المنذر وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد.
وحجتهم ما رواه النسائي عن طَلْق بن علي قال: خرجنا وفدا قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، وصلينا معه، فلما قضى الصلاة، جاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل مسَّ ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلا مضغة منك ـ أو بضعة منك ـ؟ ”

قال ابن حجر: في (بلوغ المرام): أخرجه الخمسة وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة. وقال الصنعاني في (سبل السلام): وهذا الحديث رواه الدارقطني، وقال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب. وصححه الطبراني وابن حزم.
قالوا: ولأنه عضو من جسم الإنسان، فلم ينتقض بلمسه، كسائر أعضائه.

والقول الثاني: ينقض الوضوء بكل حال. وهو ظاهر مذهب أحمد، وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وعروة وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي والشافعي والمشهور عن مالك.

وحجتهم ما روى مالك في الموطأ، وأحمد في المسند وأصحاب السنن عن بسرة بن صفوان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مس ذكره فليتوضأ ” قال الترمذي: حديث بسرة حسن صحيح. وقال البخاري: حديث بسرة أصح شيء في هذا الباب. وصححه الإمام أحمد.

ومن المهم أن نعلم: أن عبارة (أصح شيء في الباب) لا تعني صحة الحديث، بل تعني أنه أحسن الموجود، وإن لم يبلغ درجة الصحة في نفسه.
ويحسن أن نذكر الحديث بقصته كما أورده النسائي وغيره عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: مِن مَسّ الذكر الوضوء! فقال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ”.

وفي رواية أخرى عن عروة قال: ذكر مروان في إمارته على المدينة: أنه يُتوضَّأ من مس الذكر، إذا أفضى الرجل بيده، فأنكرت ذلك، وقلت: لا وضوء على من مسه، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما يتوضأ منه، فقال: ” ويتوضأ من مس الذكر “. قال عروة: فلم أزل أماري مروان، حتى دعا رجلا من حرسه، فأرسله إلى بسرة، فسألها عما حدثت مروان، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان.

ومن حق المرء أن يتوقف عند هذا الحديث: كيف خفي على مثل عروة بن الزبير، ولم يعلم عن هذا الحكم شيئا، وفوجئ به ، ومارى فيه، وهو يعيش في المدينة، وهو أحد علمائها ورواتها، وفقهائها السبعة المشهورين، وأبوه الزبير، وأمه أسماء ذات النطاقين، وخالته عائشة، وهو من أهم وأبرز الرواة عنها، وكيف انفردت بُسرة بهذا الأمر دون غيرها من الصحابة؟!
ومن أجل هذا لم يرو هذا الحديث في أحد الصحيحين، لا في البخاري، ولا مسلم. وما روي عن البخاري: أنه أصح شيء في هذا الباب، فهو لا يعني تصحيحه، كما بينا.

على أن من قال بالنقض: اشترط أن يكون بغير حائل.
واشترط آخرون أن يكون مسه بباطن كفه، لأنه آلة اللمس.
واشترط بعضهم أن يكون المس مقصودا، فإن وقع خطأ، أو نسيانا، فلا ينتقض. قيل للإمام أحمد: الوضوء من مس الذكر؟ فقال: هكذا، وقبض على يده. يعني: إذا قبض عليه.
بل اشترط بعضهم: أن يكون المس بشهوة.
والذين قالوا بالنقض، قالوا: ولا فرق بين ذكره، وذكر غيره، خلافا لداود، فقد قال: لأن النقض إنما ورد في ذكره.
وردوا عليه بأنه إذا نقض الوضوء مس ذكره ـ مع كون الحاجة تدعو إلى مسه، وهو جائز ـ فلأن ينتقض بمس ذكر غيره ـ مع كونه معصية ـ أولى. ولأن في بعض ألفاظ حديث بسرة: “ويتوضأ من مس ذكره”.
وحكم ذكر الكبير والصغير واحد عند الشافعي، وقال الزهري والأوزاعي: لا ينقض مس ذكر الصغير، لأنه يجوز مسه، والنظر إليه، بخلاف الكبير.

والذي نرجحه هو القول الأول، وهو أن مس الذكر لا ينقض الوضوء بحال. وإذا كان المس بشهوة استحب الوضوء منه.

فإن الأمور التي تعم بها البلوى، وتقع كثيرا في الناس، لا بد أن يبينها الرسول بيانا عاما، ينقل عنه، ويعرف بين المسلمين، ولا يتصور أن يختص به واحد أو اثنان منهم دون سائر الأمة.
ولم يصح حديث في هذا الأمر غير حديث بسرة بنت صفوان، والعجيب ألا ينقل هذا الأمر الذي يخص الرجال إلا امرأة. فلو صححنا حديثها لقلنا: إن الأمر فيه للاستحباب، وهو متفق مع أصلنا الذي اخترناه، وهو أن الأصل في الأوامر النبوية: الاستحباب، إلا ما قامت قرينة فيه تنقله إلى الوجوب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأظهر أن الوضوء من مس الذكر: مستحب لا واجب.

وهكذا صرح به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار: بحمل الأمر على الاستحباب، ليس فيه نسخ قوله: ” وهل هو إلا بضعة منك؟”.
وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ.

والله أعلم .