السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و على آله و صحبه أجمعين. إلى السادة العلماء الأجلاء، السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته. و بعد،  أضع مسألتي بين أيديكم الكريمة آملا من الله عز و جل أن أجد عندكم الجواب الشافي و الكافي. القضية تتعلق بموضوع القروض الربوية من أجل اقتناء السكن. أعلم أن القروض الربوية حرام و أنها لا تجوز إلا في الحالات القصوى، لكن ألا يعتبر شرعا امتلاك مسكن يحمي المسلم و أسرته من تقلبات الزمن من الضروريات القصوى. لقد قرأت عددا من الفتاوى على بعض المواقع لكنها لم تشف غليلي لأنها تطرقت لموضوع القروض الربوية بشكل عام و لم تتحدث عن مسألتي بشكل محدد، كما قرأت بعض الكتابات التي تعرضت لموضوعي و اعتبرت أن القروض الربوية من أجل امتلاك السكن لا تجوز، و طرحت بدائل شرعية مقابل ذلك، حصرتها في ثلاث نقط وهي: اللجوء إلى التمويلات التي تقدمها المصارف الإسلامية أو إمكانية وجود شخص أو جهة تقرضك بدون فوائد أو كراء مسكن كحل أخير. و أنا هنا أطرح مسألة الكراء للنقاش (و سأتغاضى عن طرح مسألة التمويلات التي تقدمها الأبناك الإسلامية لأنها و بكل بساطة غير موجودة ببلدي المغرب أو بالأحرى ممنوعة من طرف المعنيين بالأمر فلا توجد لدينا مصارف إسلامية هنا بالمغرب، كما أن مسألة وجود شخص أو جهة تقرضك بدون فوائد أمر منعدم في زماننا هذا و لا أظن أنه يمكن أن يعتد شرعا باحتمال كهذا). المهم، أطرح مسألة الكراء التي يدفع بها البعض كحجة على عدم جواز أخذ قرض ربوي بما أن الكراء يوفر للشخص مسكنا، و أسرد هنا عددا من سلبيات هذا الأمر التي تجعل منه حلا به مشقة و حرجا بالغا للمسلم و ليس بالضرورة حلا ورديا كما قد يخيل للوهلة الأولى: 1- إن ثمن الكراء الذي يدفع شهريا يعادل في الأغلبية الساحقة الأقساط التي تدفع لسداد القرض الربوي، بل في بعض الأحيان قد يكون أعلى من هذه الأقساط. و لا أنكر أنه في حالات أخرى يكون أقل. 2- أن الإنسان يقضى عمره كله و هو يدفع جزءا من راتبه للكراء و في نهاية المطاف فإنه لا يتمكن من تملك مسكنه الخاص، و يبقى هذا الجزء من راتبه يستنزف دخله الشهري، بينما في حالة قروض السكن الربوية فإن السداد يتوقف في يوم من الأيام و بالتالي يرجع هذا القدر من الراتب الذي يذهب للسداد لتعزيز الراتب الشهري. و كما لا يخفى عليكم فإن الراتب الشهري يقل عندما يحال الشخص على التقاعد بينما تكاليف الحياة هي في ارتفاع مستمر، مما يزيد الضغط على الأجرة الشهرية. 3- لدينا هنا في المغرب قانون يلزم المكتري بالزيادة في ثمن الكراء المدفوع على رأس كل ثلاث سنوات، مما يعني ارتفاعا مستمرا لمبلغ الكراء(نسبة الزيادة تحوم حول 10℅ من مبلغ الكراء الأصلي بمعنى أنه خلال ثلاثين سنة سيتضاعف مبلغ الكراء المدفوع ). 4- هناك الإحتمال الدائم لمطالبة صاحب المنزل بمنزله مما يطرح مشكلة التنقل و الرحيل إلى محل آخر، و هنا مشكلة كبرى حيث تنقيل الأثاث قد يعرضه أو على الأقل جزءا منه للتلف أو الكسر أو الخدش...إضافة إلى أن المقاسات في الغالب لا تكون هي نفسها مقاسات غرف أو نوافذ المنزل الجديد فيضطر الشخص إلى الزيادة أو النقصان في أثاث و ستائر المنزل مما يعرضها للضياع خصوصا إذا و ضعنا في اعتبارنا أن الواحد منا قد يضطر للرحيل كل سنة أو سنتين بل أعرف أشخاصا اضطروا للتنقل أكثر من مرة في السنة الواحدة، إضافة إلى أن الواحد منا قد يكون مضطرا أيضا إلى تنقيل أبنائه إلى المدارس الأقرب إلى المسكن الجديد خصوصا إذا كانوا ما يزالون صغارا، مما يخلق لهم مشاكل في متابعة دراستهم خاصة إذا تم ذلك وسط السنة الدراسية. 5- إن الشخص الذي يعيش في منازل الكراء لا يحس في يوم من الأيام بالراحة و الإستقرار النفسي لأنه دائم الإحساس بأن هذا المسكن ليس ملكا له و بالتالي ليست له الحرية المطلقة بالتصرف فيه، كتغيير ديكوراته الداخلية أو القيام ببعض الإصلاحات... 6- إن إمكانية توفير أو ادخار جزء من الراتب الشهري بهدف تكوين رأسمال يمكن في المستقبل من شراء مسكن احتمال منعدم لأن الأجر بالكاد يكفي لتلبية متطلبات الحياة اليومية. ختاما، أشكركم سادتي العلماء على سعة صدركم، و أتمنى لو يجيبني فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، إن كان ممكنا. و أؤكد لكم أنني طرحت هذه المسألة بهذا التفصيل لأنني أريد فتوى دقيقة و محددة بدل الفتاوى المعممة التي نجدها على كثير من مواقع الإنترنت أو نسمعها من السادة العلماء الأفاضل.أريد معرفة رأي الشرع في مسألة تقض مضاجع الكثيرين من أبناء هذا البلد المسلم.  و جازاكم الله عنا كل خير. و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.    

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الأصل المقرر في الشريعة عدم جواز الاقتراض بالربا لأن الربا محرم ، وهو من الموبقات ،وعلى السائل أن يجتهد في جمع المال الذي يستعين به في أمره من طرق لا شبهة فيها حتى يكون بعيدا عن الحرام ، فعليك أن تستدين من الأصدقاء ، والأهل والأقارب ، أو أن تدخل في ما يسمى بالجمعيات حتى يبعد عن الربا ، ولكن إذا ضاقت به الأمور و لم تجد سبيلا إلا هذا ، وكنت محتاجا لهذا المال ، وكان هذا الأمر ضروريا بالنسبة لك فيجوز لك أن تأخذ ما تحتاجه ، والضرورات تقدر بقدرها .
أما إذا لم تكن هناك ضرورة ـ وحد الضرورة هو ما يغلب على الظن وقوع المرء بسببه في الهلكة ، أو أن تلحقه بسببه مشقة لا تحتمل ـ فإن الاقتراض بالربا يبقى على أصله الأول ، وهو المنع لحرمته.
وقد جاء في فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا عن سؤال شراء بيت بالفائدة وخاصة في بلاد الغرب ما نصه:
لا بأس بأخذ قرض من البنك لقاء فائدة لأجل شراء بيت، بنية تملُّك البيت في نهاية تسديد القرض مع فائدته، بملاحظة أن قسط القرض مع فائدته لا يزيد عن أجرة البيت لو استأجره استئجارًا، بل قد يكون أقل.
وهذا مقتضى المذهب الحنفي فيمن يقيم بدار الحرب، لأن العبرة حينئذ لمجموع ما يدفعه المسلم لهم، فإذا كان أوفر لماله فهو جائز، ما دام برضاهم ودون خيانة، وإن كان بطريقة محرمة في الإسلام كالربا، أهـ—————–وهذا ينطبق على كل بلد لايوجد به بنك إسلامى واضطرته الظروف للسكن بهذا النظام.
والله أعلم.