السؤال:

من المعروف أن الشورى مبدأ من مبادئ الإسلام، والشورى هي الأخذ برأي الأغلبية عند الاختلاف ، فما أدلة اعتماد رأي الأغلبية؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-
من الأدلة المُرَجِّحة للالتزام برأي أكثر أهل الشورى:-
1 ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يَرَ الخروج إلى المشركين في أحد، وإنما كان رأيه ورأي كبار الصحابة: القتال داخل المدينة، ولكنه رأى الأكثرية تميل إلى الخروج، فنزل على رأيهم. صحيح أنه لم يَأْمُر بِعَدِّ الموافقين والمخالفين، ولكنه أخذ بظاهر الأمر.

2 ـ أنه عليه الصلاة والسلام أمر باتباع السواد الأعظم (روى من طرق بعضها قوي. انظر: كتابنا “من فقه الدولة في الإسلام” ص 143 طبعة دار الشروق بمصر ).

3 ـ أنه قال لأبي بكر وعمر: “لو اتَّفَقْتُمَا على رأيٍ ما خَالَفْتُكُمَا” (رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنم “4/227” وفي سنده شهر بن حوشب، وهو صدوق مختلف فيه، وقد وثقه الشيخ شاكر في تخريج المسند ).
ومعناه: أنه يرجح رأي الاثنين على رأي الواحد، ولو كان هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.

4 ـ ما ذكره ابن كثير في تفسيره نقْلًا عن ابن مردويه عن علي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن العزم في قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (آل عمران: 159) فقال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم.

5 ـ أن عمر جعل الشورى في ستة من كبار الصحابة اعتبرهم(أهل الحل والعقد) في الأمة، وجعل القرار النهائي كما تراه أغلبيتهم، وإذا تساوى الأصوات: ثلاثة وثلاثة اختاروا مُرَجِّحًا مِن الخارج وهو عبد الله بن عمر، وإن لم يَرْضَوْا به، فالثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.

6 ـ أن القرآن الكريم شَنَّ حمْلة هائلة على الطُّغَاة المستَكْبرين في الأرض بغير الحق، أمثال فرعون وهامان، وكل جَبَّار عنيد، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35)، (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم: 15 ).

7 ـ كذلك شَنَّعَ القرآن أبلغ التشنيع على الشعوب الخانعة، التي تُسَلِّم زِمَامها إلى هؤلاء وتسير في رِكَابهم، ولا تقاومهم ولا تُنْكِر عليهم، كما قال عن قوم نوح: (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) (نوح: 21)، وعن قوم هود: (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود: 59)، وعن قوم فرعون: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (هود: 97) (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: 54 ).

8ـ أن أهل الشورى في التراث الإسلامي يسَمَّوْن (أهل الحل والعقد) فإذا لم يكن رأيهم مُلْزِمًا، فماذا يَحُلُّون؟ وماذا يَعْقِدُون إذن؟.

9 ـ أن عامة الفقهاء يرجِّحون (قول الجمهور) إذا لم يوجد مرجح أخر.

10ـ أن التاريخ عَلَّمَنَا كما علَّمَنَا الواقع ـ أنَّ رأْيَ الجماعة أقرب إلى السداد من رأي الفرد، وإن رأي الاثنين أقرب من رأي الواحد، وأن شَرَّ ما أصاب أُمَّتَنا كان من جَرَّاءِ الاستبداد والطغيان، وتسلط أمراء السوء على شعوب الأمة وأحرار أبنائها.

وفي الحديث عن عمر مرفوعًا: “إن الشيطان مع الواحد، هو من الاثنين أبعد” (رواه الترمذي عن عمر “2166” وقال: حسن صحيح غريب، وقد روى هذا من غير وجه عن عمر، ورواه الحاكم “1/114” وصححه على شروط مسلم، ووافقه الذهبي).

والله أعلم .