السؤال:

قرأنا في خبر أن امرأة أرادت أن تكيد لوالد زوجها فاتهمته بأنه اغتصبها ثم هرب، فهل تحرم الزوجة على زوجها؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فيجب التريث في مثل هذه الأمور حتى لا نأخذ الناس بالظن، فإن ثبت بالدليل القاطع أن هذا الرجل فعل فعلته، فيقام عليه الحد رجما أو يقتل تعزيرا لزناه بمحارمه، أما علاقة الزوجة بزوجها فتظل كما هي على الرأي الراجح حيث إن الحرام لا يحرم الحلال.
يقول محمد سعدي الباحث الشرعي :
هناك عدة أمور يجب التحدث فيها عند الجواب على هذا السؤال، منها:
الأمر الأول حقيقة الحدوث:

في هذاالسؤال إما أن تكون واقعة الاغتصاب حدثت فعلا، وإما ألا تكون هذه الواقعة حصلت .
إن كانت هذه الواقعة من نسج خيال الزوجة ومكيدة من مكائدها فإن حكمها في الشريعة الإسلامية هو حدُّ القذف، لأنها اتهمت رجلا محصنا بجريمة الزنا وهو منها بريء. وجريمة القذف يُحَد مرتكبها ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة مالم يتب، وجاء وصفه في القرآن الكريم بأنه فاسق، قال تعالى:”والذينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثم لَمْ يَأْتُوا بأربعةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثمانينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لهم شهادةً أبدًا وأولئكَ هم الفاسقونَ. إلا الذينَ تابوا مِن بَعْدِ ذلك وأَصْلَحُوا فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيم”.  سورة النور (4-5)

وفي حال وقوع جريمة الاغتصاب، فإن على الجميع أن يتوقفوا عن الكلام والخوض في هذه الجريمة ، حتى يتبين للقضاء كيف كان هذا الاغتصاب وما هي ملابساته وما هي أبعاده وكيف كان؟ حتى ينجلي الأمر لهم ليحكموا في هذه الواقعة .

الأمر الثاني عقوبة هذه الجريمة في الشرع:
وفي حال ثبوت اغتصاب الزوجة من قِبل والد زوجها، فإن حدَّ الزنا لا يثبت عليها إذا ثبت أنها قد أكرهت على هذا الفعل، أما المغتصب في هذه الحالة فإن حكمه في الشريعة الإسلامية هو القتل لأنه وقع على ذات محرم منه عند من يرى قتل من وقع على ذات محرم منه فقد روى أحمد في مسنده و الحاكم في مستدركه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وقع على ذات محرم فاقتلوه. وقال الحاكم في المستدرك: صحيح ولم يخرجاه .
وقال ابن حجر في الزواجر عند سياق هذا الحديث: وأعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم .
وعن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله” رواه الخمسة .
وعلى رأي من قال إن من زنا بذات محرم منه فإن عليه حد الزنا، فهذا الرجل محصن، وقد اتفق العلماء في أن المحصن إذا زنا فإن حكمه في الشرع هو الرجم .

وجاء في كتاب الجواب الكافي للإمام ابن القيم:
قد اتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إن حده حد الزاني وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال.أهـ

وإن لم يحدّ في الدنيا فعليه بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، أما مصيره في الآخرة فإلى ربه سبحانه وتعالى ،إن شاء عذبه ،وإن شاء عفا عنه .

الأمر الثالث مصير الحياة الزوجية بين الابن وزوجته:
أما عن الزوجية هل يفرَّق بين الزوجين بهذا الاغتصاب أما لا؟ فقد اختلف الفقهاء هل الزنا يحرم الحلال وتثبت محرمية المرأة بالزنا أم لا، واختلفوا في مسألة زنا الرجل بزوجة ابنه هل ينفسخ النكاح أم لا؟
فعند الحنفية قالوا بالفسخ، والمالكية توسطوا وقالوا بالكراهة وقد جاء في المدونة:”أرأيت إن زنى الرجل بامرأة ابنه أو بامرأة أبيه أتحرم على ابنه أو أبيه في قول مالك ؟ قال : الذي آخذ به أنه لا ينبغي لرجل أو ابنه أن ينكح امرأة واحدة كما كره مالك أن ينكح الرجل الواحد المرأة وابنتها ”
وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن النكاح لا ينفسخ، والزوجية قائمة بحالها، وقد احتج على من يحرم بالزنا الحلال وعنده أن الرجل إذا زنى بامرأة أبيه أو امرأة ابنه، فلا تحرم واحدة منهما على زوجها بمعصية الآخر فيها .
جاء في كتاب الأم : فإن زنى بامرأة أبيه أو ابنه أو أم امرأته فقد عصى الله تعالى ولا تحرم عليه امرأته ولا على أبيه ولا على ابنه امرأته لو زنى بواحدة منهما لأن الله عز وجل إنما حرم بحرمة الحلال تعزيزا لحلاله وزيادة في نعمته بما أباح منه بأن أثبت به الحرم التي لم تكن قبله وأوجب بها الحقوق والحرام خلاف الحلال.أهـ

وهذا هو الراجح؛لأن ماء الزنا هدر لا حرمة له، فلا يحرم الوطء الحرام ما كان حلالا، ثم إن الحنفية الذين يقولون بالتفريق يقرون حكم غيرهم من الفقهاء ممن لا يرى التفريق فإن هذه القضية لو رفعت عند قاض شافعي فحكم بعدم التفريق فإن الحنفية يرون أن الحكم ملزم، وأن الفرقة لا تثبت، ولا يجوز للقاضي الحنفي أن يبطل حكم الشافعي في هذه المسألة لأنها من المسائل المختلف فيها .
وقد نصَّ على هذا صاحب حاشية ابن عابدين:
في شرح أدب القضاء : لو وطئ أم امرأته أو بنتها فخاصمته زوجته إلى قاض يرى أن الحرام لا يحرم الحلال فقضى بها لزوجها ثم رفعته إلى قاض يرى أن ذلك يحرمها على زوجها فليس للثاني أن يبطل قضاء الأول; لأن هذا مما اختلف فيه الصحابة والعلماء , فإذا قضى نفذ قضاؤه بالإجماع , فإذا قضى الثاني بخلافه كان قضاؤه مخالفا للإجماع .
والله أعلم.