السؤال:

لي دين على شخص وهذا الدين ثابت وقد مضى على الدين سنوات والمدين مقر به ولكنه مماطل ويرفض سداد الدين لأسباب غير مقبولة، وبوسعي أن أحصل على حقي بطريقة أو بأخرى؟ فهل يعتبر هذا نوع من الخداع أم أن هذا جائز شرعا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
من كان له دين فماطله المدين فعليه أن يطالب بدينه عن طريق القضاء فإن تعذر ذلك كأن يكون حكم القضاء غير نافذ أو تطول مدة النظر في القضية عدة سنوات أو غير ذلك من الأسباب التي تحول دون وصول صاحب الحق إلى حقه، فالراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز لصاحب الحق أن يسعى للوصول إلى حقه من أي طريق، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية وهو قول في مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال ابن حزم الظاهري إن ذلك فرض..

وإليك التفصيل في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

يجب أن يعلم أولاً أنه تحرم المماطلة على الغني القادر على سداد دينه وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مطل الغني ظلم ) رواه البخاري ومسلم .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : ” والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر ، والغني مختلف في تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً ” فتح الباري 5/371 .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: ” وفي الحديث الزجر عن المطل ، واختلف هل يعد فعله عمداً كبيرة أم لا ؟ فالجمهور على أن فاعله يفسَّق ” فتح الباري 5/372 .

وكذلك فينبغي أن يعلم أن الأصل عند أهل العلم أن من كان له دين فماطله المدين فعليه أن يطالب بدينه عن طريق القضاء فإن تعذر ذلك كأن يكون حكم القضاء غير نافذ أو تطول مدة النظر في القضية عدة سنوات أو غير ذلك من الأسباب فهل يجوز لصاحب الدين إن ظفر بمال للمدين أن يستوفي حقه منه أم لا ؟ هذه المسألة تسمى مسألة الظفر بالحق عند أهل العلم وهي محل خلاف بينهم وأرجح أقوال أهل العلم جواز ذلك وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وهو قول في مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال ابن حزم الظاهري إن ذلك فرض وقد ذكر العلماء تفاصيل كثيرة تتعلق بالمسألة ، انظر المغني 10/286-289 ، المحلى 6/490-494 ،مجموع فتاوى شيخ الإسلام 30/371-375 ، سبل السلام 3/868- 869، الموسوعة الفقهية الكويتية 29/156-166.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ إذا كان لرجل على غيره حق‏،‏ وهو مقر به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه‏،‏ بلا خلاف بين أهل العلم فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه لزمه رده إليه‏،‏ وإن كان قدر حقه لأنه لا يجوز أن يملك عليه عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة‏،‏ وإن كانت من جنس حقه لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين وإن أتلفها أو تلفت فصارت ديناً في ذمته وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تقاضيا‏‏ في قياس المذهب والمشهور من مذهب الشافعي وإن كان مانعاً له لأمر يبيح المنع كالتأجيل والإعسار‏،‏ لم يجز أخذ شيء من ماله بغير خلاف وإن أخذ شيئاً‏،‏ لزمه رده إن كان باقياً أو عوضه إن كان تالفاً ولا يحصل التقاضي ها هنا لأن الدين الذي له لا يستحق أخذه في الحال‏،‏ بخلاف التي قبلها وإن كان مانعاً له بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجز له الأخذ أيضاً بغيره لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه‏،‏ فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله ] المغني 10/287.

ومما يدل على جواز مسألة الظفر بالحق وأنه مشروع قوله تعالى:{ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } سورة البقرة الآية 194. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَنْكَرَهُ وَامْتَنَعَ عَنْ بَذْلِهِ فَقَدْ اعْتَدَى ، فَيَجُوزُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِغَيْرِ حُكْمِ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَذِنَ بِذَلِكَ .
ويدل على ذلك قَوْلُ الرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) رواه البخاري ، وَإِنَّ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْ الظَّالِمِ نَصْرٌ لَهُ . انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 29/162-163.

ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليَّ في ذلك من جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك ) رواه البخاري ومسلم

قال الإمام النووي عند ذكر ما يستفاد من الحديث :[ ومنها : أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه ، وهذا مذهبنا … ] شرح النووي على صحيح مسلم 4/373.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني :[ واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه ، وهو قول الشافعي وجماعة ، وتسمى مسألة الظفر ، والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر جنس حقه ، وعن أبي حنيفة المنع ، وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر ، وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء ، وعن أحمد المنع مطلقاً ] فتح الباري 9/631.

وقال الإمام ابن دقيق العيد في شرح الحديث [ نَعَمْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ ، وَأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَدُلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا مِنْ الْجِنْسِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ . وَمَنْ يَسْتَدِلُّ بِالْإِطْلَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا : يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي الْجَمِيعِ .] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/270.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده، أو يغصبه شيئا‏ً.‏ ثم يصيب له مالاً من جنس ماله‏.‏ فهل له أن يأخذ منه مقدار حقه‏؟‏
فأجاب‏:‏ وأما إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين‏.‏ فهل يأخذه أو نظيره، بغير إذنه‏؟‏ فهذا نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يكون سبب الاستحقاق ظاهراً لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب؛ كما ثبت في الصحيحين أن هند بنت عتبة … وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله، فأخذ من ماله بقدره، ونحو ذلك‏ …‏ ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 30/371-372.

واحتج ابن حزم على فرضية أخذ الحق بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار منها : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } سورة النحل الآية 126. وقَوْله تَعَالَى : { وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ }سورة شورى الآيتان 41-42 .
وقَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } سورة شورى الآية 39 .
وقَوْله تَعَالَى : { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } سورة البقرة الآية 194.
وقَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ }.
سورة البقرة الآية 194.
وقَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا }سورة الشعراء الاية 227 …
{ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ } وَهَذَا إطْلَاقٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا وَجَدَ لِلَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الْحَقُّ …

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ [قَالَ : { قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلَ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا ، فَمَا تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ لَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ } وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ أَخَذَ الرَّجُلُ مِنْك شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مِثْلَهُ … عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : إنْ أَخَذَ مِنْك شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مِثْلَهُ … عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ، فَإِنْ أَخَذْت مِنْهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْك فَلَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ . وَعَنْ عَطَاءٍ حَيْثُ وَجَدْت مَتَاعَك فَخُذْهُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَأَمَّا قَوْلُنَا : إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } فَمَنْ ظَفَرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ فِيهِ هُوَ ، أَوْ مُسْلِمٌ ، أَوْ ذِمِّيٌّ ، فَلَمْ يُزِلْهُ عَنْ يَدِ الظَّالِمِ وَيَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِ حَقَّهُ فَهُوَ أَحَدُ الظَّالِمِينَ ، لَمْ يُعِنْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بَلْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، هَذَا أَمْرٌ يُعْلَمُ ضَرُورَةً .

وَكَذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ} فَمَنْ قَدَرَ عَلَى كَفِّ الظُّلْمِ وَقَطْعِهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَخَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ بِلَا خِلَافٍ ، وَالدَّلَائِلُ عَلَى هَذَا تَكْثُرُ جِدًّا.] المحلى 6/
491-492. والمسألة فيها كلام كثير لأهل العلم .
وخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً استيفاء الدين من مال المدين بدون إذنه وعلى الدائن أن يخبر المدين بأنه استوفى حقه منه.

والله أعلم.