السؤال:

هل صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية"؟ وإذا كان صحيحا فكيف يكون ذلك؟ وكيف يكون الربا أشد من الزنا؟ وماذا تقولون فيمن يقول إن هذا الكلام مخالف للنقل والعقل والإجماع؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

هذا حديث صحيح رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، ورواه غيره، والحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه ، ومختلف في وقفه ورفعه، والشيخ الألباني صححه مرفوعا.
وإنما كان الربا أشد من الزنى؛ لأن الزنى تدفع إليه شهوة غريزية، أما الربا فيدفع إليه طمع شيطاني في أكل أموال الناس بالباطل، وامتصاص الفقراء لحساب الأغنياء، ولهذا عد الرسول الكريم الربا في الموبقات السبع، ولم يعد فيها الزنى، وإن كان كلاهما من كبائر الآثام.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-

روى الإمام أحمد في مسنده (5/225) عن عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “درهم ربا يأكله الرجل –وهو يعلم- أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية”
قال الألباني: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، ومن أعله بتغير جرير قبل موته فلم يصبْ، لأنه لم يسمع منه أحد في حال اختلافه، كما قال ابن مهدي.
ورواه الدارقطني أيضا بهذا الإسناد.
ورواه كل من أحمد والدارقطني عن عبد الله بن حنظلة عن كعب من قوله.
قال الدارقطني: هذا أصح من المرفوع. انظر الحديث (49) من كتاب البدع من سنن الدارقطني ج3/16 بتحقيق هاشم عبدالله اليماني.

والعلماء يقولون: الموقوف هنا له حكم المرفوع، إذ لا مجال للرأي في التحديد بعدد معين.
وقد ذكر الحافظ المنذري الحديث في كتابه (الترهيب والترغيب) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. (انظر: الحديث (1060) من كتابنا (المنتقى من الترغيب والترهيب).
وأورده الحافظ نور الدين الهيثمي في (مجمع الزوائد) وقال ما قاله المنذري (4/117).
ونقل العلامة المناوي عن الحافظ العراقي أنه قال: رجاله ثقات (الفيض:3/524).

ونقل أيضا عن ابن الجوزي أنه أورد الحديث في (الموضوعات) وجعل الآفة فيه من حسين بن محمد، ونقل عن أبي حاتم أنه قال: رأيته ولم أسمع منه. تعقبه ابن حجر بأنه احتج به الشيخان، ووثقه غيرهما، وبأن للحديث شواهد انتهى (الفيض:3/524)
ومن المعروف أن ابن الجوزي أحيانا يتوسع في الحكم على الحديث بالوضع.
وفي عصرنا صححه الشيخ الألباني في سلسلة الصحيحة برقم (1033) وفي تخريج كتابنا: (الحلال والحرام) الذي سماه (غاية المرام) برقم (272) وفي (صحيح الجامع الصغير وزيادته) برقم (3375).

أما زعم من يزعم أن هذا الكلام مخالف للنقل والعقل والإجماع فلا أدري كيف زعم هذا الإنسان أن هذا مخالف للنقل؟ وأين هو النقل الذي يخالفه؟ قرآن أو سنة أو كلام صحابي أو كلام تابعي أو كلام أحد الأئمة المجتهدين؟

لقد رأينا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في كتابه الكبير والأوسط، والدارقطني في سننه، وابن عساكر في تاريخه، وارتضاه من أئمة الحديث بعدهم: المنذري والعراقي والهيثمي وابن حجر والسيوطي والمناوي.
ومثل هذا لا يقال فيه: إنه خالف النقل.

وأما زعم من زعم أنه خالف العقل، فليت شعري هل يفهم هذا معنى مخالفة العقل؟ إن مخالفة العقل تعني: أنه يترتب علي التصديق به أمر محال عقلا، كإثبات النقيضين، أو رفعهما معا.
فأين مخالفة العقل هنا؟

وإن كان المراد بالعقل: عقل الإنسان المسلم، فالمسلم البصير بدينه، الذي يعقل عن الله ورسوله ما أمرا به وما نهيا عنه، لا يجد غضاضة في تقبل هذا الحديث؛ لأنه يسير في ضوء القرآن الذي عظم معصية الربا أكثر من أي معصية أخرى، حتى جاء في شأنها في كتاب الله تعالى ما لم يأت في شأن الكبائر الأخرى، حيث قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}البقرة: 278
وإنما كان الربا أشد من الزنى؛ لأن الزنى تدفع إليه شهوة غريزية، أما الربا فيدفع إليه طمع شيطاني في أكل أموال الناس بالباطل، وامتصاص الفقراء لحساب الأغنياء، ولهذا عد الرسول الكريم الربا في الموبقات السبع، ولم يعد فيها الزنى، وإن كان كلاهما كبيرة.

وانظر ما نقله المناوي عن الطيبي، والحراني، يتبين لك خطر الربا، يؤكده ما قاله الاقتصاديون في عصرنا من شدة خطر الربا على الاقتصاد وعلى السياسة وعلى المجتمع وعلى القيم والأخلاق، وعلى السِّلم العالمي.

وأعجب من هذا كله: ادعاء أن هذا الحديث أو مضمونه مخالف للإجماع!
ويبدو أن قائل هذا لا يعرف شيئا عن الإجماع، لا عن معناه، ولا عن حكمه

والإجماع في أوضح عبارة: هو اتفاق جميع مجتهدي الأمة في عصر من العصور على حكم شرعي.
فأين الحكم الشرعي الذي خالفه هذا الحديث؟ وأين مخالفته، حتى للمذاهب الأربعة أو لمذهب واحد منها، ناهيك عن مخالفته للإجماع!

والله أعلم .