السؤال:

ابتليت –عفاكم الله- بمرض الصرع، وقد عرضت نفسي على الأطباء المختصين وتبين من خلال رسم المخ وجود كهربة زائدة وغير منتظمة في أحد مراكز المخ ينتج عنها نوبات الصرع التي أعاني منها، وبناء على هذا التشخيص وصف لي الدواء الذي يعطى في مثل هذه الحالات، ولكن المشكلة أن زوجي يصر على أني لست مريضة ولكن ما بي هو مس من الجن فضلا عن أن الأدوية الموصوفة أدوية مخدرة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن "الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها"؟

الجواب:

يقول الشيخ عصام الشعار –الباحث الشرعي بالموقع-:
أختي الفاضلة.. أسأل الله رب الناس أن يُذهب بأسك، وأن يعافيك مما ابتلاك به، وأن يشفيك شفاء عاجلا غير آجل شفاء لا يغادر سقما.
أما بالنسبة لما ورد في رسالتك ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ فَتَدَاوَوْا( رواه أحمد، وحسنه الألباني في “السلسلة الصحيحة”.
ولا خلاف بين الفقهاء في مشروعية التداوي، وأقوال الفقهاء بين الندب والإباحة، فقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح، وذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى استحبابه، ومذهب جمهور الحنابلة: أن تركه أفضل، ونص عليه أحمد.

ولا فرق في التداوي بين الأمراض العضوية والأمراض العقلية والنفسية والعصبية، فمن ابتلي بشيء من هذه الأمراض عليه أن يأخذ بأسباب الشفاء، فهذا من صدق التوكل على الله عز وجل، وإذا كان الأطباء المختصون قد تيقنوا وجود خلل في أحد مراكز المخ ينتج عنه نوبات الصرع التي تعانين منها، فلا يعقل أن نترك هذا اليقين لمجرد شكوك وظنون أن الصرع سببه مس من الجان!

ولذلك فلا يجوز للزوج أن يمنع زوجته من تعاطي الدواء الذي وصفه الأطباء، وليس له أن يمنعها من مراجعة الأطباء المختصين، وتعاطي الزوجة لهذا الدواء الحسي لا يتعارض مع الرقية الشرعية، فللزوج أن يرقي زوجته بالرقية المشروعة من الكتاب والسنة، وفي نفس الوقت لا يحول بينها وبين تعاطي الدواء الموصوف لها، بل حقها عليه أن يكون عونا لها في ذلك، و رسولنا -صلى الله عليه وسلم- الذي علمنا كيف نرقي مرضانا هو هو -صلى الله عليه وسلم- الذي علمنا أن نتداوى بالحبة السوداء فقال: (عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام) رواه ابن ماجه، وصححه الألباني، وفي الحديث الذي رواه البخاري قال صلى الله عليه وسلم (الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيَّة بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكي)، والدواء ليس محصورا فيما سبق وإنما هي إشارات منه صلى الله عليه وسلم إلى الأخذ بكل ما يعين على الشفاء من الأسباب المادية والمعنوية.

أما الشبهة التي أثارها الزوج (أن الدواء مخدر) فمردود عليها بأن الفقهاء قرروا قاعدة هامة تحكم هذه المسألة فقالوا “الضـرورات تبيح المحظورات” فإذا قرر الثقات من أهل الطب أن هذا الدواء ناجع ومفيد في حالة الزوجة، ولا توجد بدائل أخرى فلا حرج في تعاطي هذا الدواء
قال تعالى “وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه”، هذا وقد أثيرت مثل هذه المسألة أمام المجمع الفقهي الإسلامي – بمكة المكرمة، وكان قراره فيها كما يلي:

بعد مناقشة هذا الموضوع من قبل هيئة المجلس والسادة الأطباء، وتداول الرأي فيه، رأى المجلس بالإجماع: أنه ليس للزوج منع زوجته من تناول العلاج المناسب، المباح شرعًا، الموصوف لها من الطبيب الثقة المؤتمن، لأن في منعها من العلاج إلحاقًا للضرر بها، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرر فقال: “لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ”. وهذا الحكم ينطبق أيضًا على كل ولي، فلا يجوز له منع المولَّى عليه من العلاج المباح له شرعًا) انظر قرارات المجمع الفقهي في دورته الثانية عشرة، التي عقدت بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت 15 رجب 1410هـ الموافق 10 فبراير 1990م إلى يوم السبت 22 رجب 1410هـ الموافق 17 فبراير 1990م .

وأخيرا نذكر بأن الدواء لا يعدو كونه سببا في الشفاء، ولذلك فلا بد من تعلق القلب بمسبب الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك بصدق اللجوء إليه والتوكل عليه، فعليك بكثرة الدعاء والصدقة فهما من جملة الأسباب التي تعينك على الشفاء..
نسأل الله تعالى أن يصرف عنك السوء.

 


الوسوم: