السؤال:

في صلاة الجمعة ضاق المسجد بالمصلين ومن شدة الزحام قام البعض بالصلاة في مكان الوضوء والذي يوجد أمام المحراب الذي يقف فيه الإمام، بمعنى أن من صلى في مكان الوضوء كان متقدما على الإمام؟ فهل هذه الصلاة صحيحة أم باطلة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإمام يتقدم على المأمومين إذا كانوا اثنين فصاعدا، ومن صلى أمام الإمام لغير عذر –كضيق المكان أو الزحام الشديد- فلا تصح صلاته على الراجح من أقوال أهل العلم.

وإليك فتوى فضيلة الشيخ حسام عفانه – أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:
إن الأصل الذي قرره العلماء في الصلاة هو التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم فالأصل فيها التوقيف أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها وعلَّم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم وقال صلى الله عليه وسلم:(صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمام يقف أمام المأمومين وليس العكس ومقتضى لفظ إمام أن يكون أمام المأمومين وعلى ذلك دل قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ) رواه البخاري ومسلم
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ قوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به) قال البيضاوي وغيره: الائتمام الاقتداء والاتباع أي جعل الإمام إماماً ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال ] فتح الباري 2/231

وقد اتفق جماهير أهل العلم على أن الإمام يتقدم إذا كان المأمومون اثنين فأكثر وهذه هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:
[السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام فإن وقفوا قدامه لم تصح‏،‏ وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي … ولنا قوله صلى الله عليه وسلم( إنما جعل الإمام ليؤتم به)؛ ولأنه يحتاج في الإقتداء إلى الالتفات إلى ورائه‏،‏ ولأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول فلم يصح كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام ويفارق من خلف الإمام فإنه لا يحتاج في الإقتداء إلى الالتفات إلى ورائه ] المغني 2/157 وهو قول الحنابلة أيضاً

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والأصل في الإمام أن يكون متقدماً على المأمومين إلا إن ضاق المكان أو لم يكن إلا مأموم واحد] فتح الباري 2/216.
ومما يدل على ذلك أن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم أمام أصحابه إذا صلى بهم ولم ينقل أن واحداً من الصحابة تقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له فأكل منه ثم قال قوموا فلأصل لكم ، قال أنس فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس فنضحته بماء فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف) رواه البخاري ومسلم .

وروى الترمذي بإسناده عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا ) قال أبو عيسى – الترمذي – وفي الباب عن ابن مسعود وجابر وأنس بن مالك قال أبو عيسى وحديث سمرة حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا إذا كانوا ثلاثة قام رجلان خلف الإمام ] سنن الترمذي 1/452-453.

وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) مسلم وغير ذلك من الأدلة فالأصل أن تقدم الإمام على جماعة المصلين واجب. قال الشيخ ابن حزم [ … لأن فَرْضَ الإِمَامِ لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ وَهُمْ وَرَاءَهُ ولا بد … ] المحلى 3/139.

وأما من صلى أمام الإمام لغير عذر فلا تصح صلاته على الراجح من أقوال أهل العلم . والعذر مثل أن يكون هنالك زحام شديد كما يحدث في المسجد الحرام في موسم الحج أو ضاق الموضع الذي يصلون فيه فإن صلى أحد قدام الإمام صحت صلاته حينئذ وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:
[ أما صلاة المأموم قدام الإمام، ففيها ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها : إنها تصح مطلقاً ، وإن قيل إنها تكره ، وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني : إنها لا تصح مطلقاً ، كمذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد في المشهور من مذهبه.
والثالث : إنها تصح مع العذر ، دون غيره ، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام ، فتكون صلاته قدام الإمام خيراً له من تركه للصلاة، وهذا قول طائفة من العلماء ، وهو قول في مذهب أحمد ، وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة ، والواجبات كلها تسقط بالعذر . وإن كانت واجبة في أصل الصلاة ، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط ، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام ، والقراءة ، واللباس ، والطهارة ، وغير ذلك .] الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام 2/360 .

وقال الشيخ ابن حزم: [وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي أَمَامَ الإِمَامِ إلاَّ لِضَرُورَةِ حَبْسٍ فَقَطْ ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ حَيْثُ لاَ يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ : … عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ ، قَالَ جَابِرٌ : فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّأِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُصَلِّيَ ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ ، عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي ، عَنْ يَمِينِهِ ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ ، عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ ] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاِثْنَانِ فَصَاعِدًا خَلْفَ الإِمَامِ ، وَلاَ بُدَّ ؛ وَيَكُونُ الْوَاحِدُ ، عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ ، وَلاَ بُدَّ ؛ لأن دَفْعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَابِرًا وَجَبَّارًا إلَى مَا وَرَاءَهُ أَمْرٌ مِنْهُ عليه السلام بِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ تَعَدِّيهِ ، وَإِدَارَتَهُ جَابِرًا إلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ ؛ فَمَنْ صَلَّى بِخِلاَفِ مَا أُمِرَ بِهِ عليه السلام فَلاَ صَلاَةَ لَهُ …] المحلى 2/386. وحديث جابر الذي استدل به الشيخ ابن حزم في صحيح مسلم.

وقال الإمام النووي [ فصل في شروط الإقتداء وآدابه فأما الشروط فسبعة: أحدها أن لا يتقدم المأموم على الإمام في جهة القبلة فإن تقدم لم تنعقد صلاته على الجديد الأظهر ولو تقدم في خلالها بطلت ] روضة الطالبين 1/462.

وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية عن تقدم الجماعة على الإمام فى المسجد النبوي أجائز على رأي الإمام مالك أم للضرورة ؟

فأجابت: سنة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام التي درج عليها من بعده خلفاؤه وأتباعه بإحسان رضوان الله عليهم أن يكون المأموم خلف الإمام في الحرم النبوي وغيره فلا يجوز العدول عنها، ومن صلى أمام الإمام فقد خالف هذه السنة،

قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، فإن وقفوا قدامه لم تصح.أ.هـ.

وهذا القول هو المفتى به، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن تقدم المأموم على الإمام لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، ولأنه مخالفة ظاهرة للإمام الذي أمرنا بالائتمام به؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) متفق على صحته .]

والله أعلم.