السؤال:

السلام عليكم جميعا.. أنا في حوار دائم مع الملحدين،وقد جرت مناقشة بيني و بين أحد "اللادينيين" على أن القرآن كلام الله وأنه إعجاز وأردت أن تفيديني بما يجب علي أن أرد عليه به وهذا كان رده: "أوافقك الرأي أن القرآن ليس تأليفا من صنع محمد ولكن ... يجب عليك أن توافقني الرأي أن القرآن الذي جمع بعد عشرون عاما من نزوله قد جمع ( من صدور الرجال ) أي أن كل الجمل والآيات كانت مبعثرة هنا وهناك وكل صاغها بلغته الجميلة وتمت كتابتها بلغة أهل قريش الذين هم أقوى لسان عربي فصيح في ذلك الزمان ، وعليك أن تقر أيضا أن القرآن قد أضيفت فيه جملا وحذفت منه أخرى والدليل على هذا ، أن عبد الله بن مسعود الذي قال عنه نبيكم ( خذوا القرآن عن عبد الله بن مسعود ) ، يقسم عبد الله أن المعوذتين ليستا من القرآن ، ونحن اليوم نعتبرها جزءا هاما منه ، والدليل الآخر هي آية الرجم التي قال عنها كل من عاشر محمد أنها كانت موجودة وقد أكلتها الداجن في بيت عائشة !!! ، كل هذا أن دل على شيء فإنما يدل على أن القرآن إنما هو صياغة شارك بها جموع كثيرة من الناس ولم يأت لا من لوح محفوظ ولا من ذات إلهية .... " كما أضاف سؤال: 1-القران يقول:"إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون" و إنجيل متى يقول"إلى أن تزول الأرض و السماء، لن يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة..... 17:5-18" أين الحقيقة؟؟؟؟ 2-وآخر يقول:هناك آلاف النصوص والتأليفات عند الصينيين والهنود واليونان ووو ما زالت محفوظة من الزوال، وهي جميعا قبل القرآن، هل أذكر لك أسماء كتب المهابهاراتا والمارياما وكتب بوذا وكونفوشيوس وغيرها، أم أذكر لك الإلياذة والأوديسة؟ والآن كل كتاب مهما قل شأنه سيكون محفوظاً إلى الأبد ، فهل نحن خالقون؟ نعم سيبقى القرآن محفوظاً كما سيبقى شعر المتنبي وكتب الجاحظ ودواوين نزار قباني إلخ... لا تقلق... عذرا للإطالة ولكني من النوع الغيور على دينه ولا أرضى الإساءة إليه.. شكرا للمؤازرة في نصرة هذا الدين.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد
يقول الأستاذ الدكتور محمد داود أستاذ الدراسات الإسلامية واللغوية بجامعة قناة السويس، بمصر.
الشُبَه التي تثارُ ضد القرآن هى مزاعم تتهاوى بمعرفة الحقيقة التى وقعت بالفعل، ولا يجب أن نستمع لهذه الخيالات المزعومة التى هى من خيال هؤلاء الملحدين.
أولاً: زعمهم أن جمع القرآن من صدور الرجال، وأنّ كل واحدٍ من الحفظة صاغ ما يحفظه بلغته وتمت كتابة القرآن بلغة قريش، هذا الزعم غير صحيح؛ لأن القرآن اكتمل فى صدر سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولاً وراجعه على جبريل ـ عليه السلام ـ مرات حتى كان العام الذى توفى فيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وراجعه على يد أخيه جبريل مرتين.
وكان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصًا على متابعة الوحى (جبريل ـ عليه السلام ـ) فى كل لفظة ينطق بـها، وطمأن الله نبيه بأنَّ الله سَيَمُن ويتفضل على رسوله الكريم بحفظ القرآن فى صدره ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون تغيير أو تبديل قال تعالى:  لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ القيامة/18:16. كما طمأن الله  نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه لن ينسى شيئًا من القرآن، قال الله تعالى:  سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى  الأعلى/6.
وراجع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أُنزل عليه من قرآن على أخيه جبريل كلمة كلمة ولفظة لفظة بحسب ترتيبها ونطقها دون حذف ولا تقديم ولا تأخير، أى بدون تدخل من شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ولذلك شاءت إرادة الله أن يكون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب. فالنص القرآنى نص سمعى ينتقل شفاهة بأصوات مقننة من عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى اللحظة التى نعيشها الآن بالسماع، حتى إنَّ كل مُعلِّم للقرآن لا تتم إجازته إلا بالتلقى المباشر ولا تكفى القراءة فى المصحف للتعليم، حتى إنك تستطيع أن تقول إنًّ المعلم حين يعلم القرآن يحاكى نطق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للآيات القرآنية كما أنزلها الله عليه.
وتتأكد لنا هذه الحقيقة بأنَّ القرآن المحفوظ فى صدور المسلمين لا يختلف عليه اثنان، إذ من معجزات القرآن فى حفظه أن النسخة التى لا يمكن أن تتبدل أو تتغير هى النسخة المحفوظة فى صدور المسلمين، والتى تنتقل من جيل إلى جيل بأصوات مقننة وبأداء مقنن، ثم تأتى صور الحفظ الأخرى المكتوبة فى صور مختلفة.

إذًا ليس صحيحًا ما زعموه أن كل صحابى صاغ ما معه من قرآن بلغته، بل هذه فرية وجهالة.
ويزداد الأمر وضوحًا حين نعلم أن عملية جمع القرآن من صدور الصحابة كانت مطابقة لما حفظوه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا تؤخذ آية لتسجل فى المصحف إلا بشهادة شاهدين من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ثانيًا: أما بشأن زعمهم عن رواية عبد الله بن مسعود بأن المعوذتين ليستا من القرآن، فليعلم كل عاقل أن كل ما خالف المصحف الإمام (الذى جمعه عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ) باطلٌ باطل؛ لأن هذا المصحف ظفر بإجماع كل الصحابة بلا استثناء ومنهم عبد الله بن مسعود، وإلى عبد الله بن مسعود ترتقى قراءة من قرأ عليه من القرّاء السبعة (راجع بتفصيل: تاريخ القرآن للدكتور/ عبد الصبور شاهين).
وقال الإمام على : «ما فعل عثمان ما فعل إلا عن ملأ منا ولو وُليت ما وُلى لفعلت ما فعل» .
فلا معنى بعد ذلك لإثارة شبه تستند إلى روايات أحاديث باطلة تتعارض مع إجماع الصحابة  بل وتتعارض مع أقوال عبد الله بن مسعود نفسه عن القرآن!

ثالثًا: أما عن زعمهم بأن القرآن ليس الوحيد الذى تفرد بتعهد الله بحفظه فى قوله تعالى:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  الحجر/9، فإنجيل متى يقول: «إلى أن تزول الأرض والسماء لن يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة». وهنا ينبغى أن نوضح جملة من الحقائق حتى يزول اللبس ويدفع الوهم:
إن واقع النص القرآنى يشهد بأنه ليست عندنا مصاحف مختلفة فيها زيادة أو نقصان، كما هو الحال فى الأناجيل المختلفة التى يصل حجم الحذف والزيادة فى بعضها إلى أكثر من ثلاثين إصحاحًا.. بالإضافة إلى وجود نصوص مختلفة فى لغات مختلفة فيها الزيادة والنقصان.. ولا يوجد هذا في القرآن؛ لأنه ليس للقرآن إلا نص واحد بالعربية، والترجمات إنما هى ترجمة للمعانى والمفاهيم.
• يضاف إلى هذا أمر حاسم فى هذه المسألة وهو أن لرجال الدين فى الكنيسة سلطة التغيير فى نص التوراة والإنجيل بما يتوافق مع ظروف كل عصر، ولا توجد هذه السلطة لرجال الدين فى الإسلام. حتى إن سلطة التغيير فى النص القرآنى ليست للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه، قال الله تعالى:
 قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  يونس/15.

رابعًا: أما بشأن بقاء النصوص القديمة للصينيين والهنود محفوظة من الزوال، فهى محفوظة بروايات متعددة نالتها أيدى البشر بالحذف والنقصان والتحريف والتصحيف، ولذلك تعددت رواياتـها، أما القرآن فهو المتفرد بين كل هذه الكتب بأنه نص واحد وليست له روايات ولا يتغير ولا يتبدل على مر الزمان، وهو الكتاب الذى يحفظه أهله فى صدورهم، وكل كتاب غيره لا يحفظه أهله فى صدورهم، وإنما هو فى بطون الكتب يناله ما ينال الكتب من عبث.. فليس هذا كذاك.
ولا يقبل عاقل زعمهم بأن شعر المتنبى وكتب الجاحظ ودواوين نزار قبانى محفوظة، فما الفرق؟‍!
الفارق واضح: إن هذه الكتب محفوظة فى روايات مختلفة يأتى عليها الزيادة والنقصان، غير مصونة من التحريف والتبديل بفعل النساخ والشراح والمصححين، وتتراكم هذه التحريفات من جيل إلى جيل، والواقع خير شاهد ودليل.. ولننظر إلى روايات شعر المتنبى لنرى النقص والزيادة فيها، ونرى المنتحل من شعره وغير المنتحل.
وخلاصة القول أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذى ظل منذ لحظة نزوله حتى الآن مصونًا عن التحريف والتصحيف والحذف والإضافة، أو أن يتصرف فيه بشر ولو على مستوى درجة نطق الصوت الواحد، فلا يقبل – فى القرآن – أن ينطق الحرف المفخم بترقيق، أو العكس..
ولا يكون هذا إلا فى القرآن.

خامسًا: أما من حيث القراءات القرآنية فهى صور نطقيه لكلمات واحدة جاء بـها الوحى؛ لقول النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «نزل القرآن على سبعة أحرف ». وليس لأحد أن يبدل أو يغير فى هذه القراءات أيضًا، وصدق الله العظيم إذ يقول:  وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ  يونس/ 37. وصدق الله العظيم إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الحجر/9.

وأخيرًا: أود أن ألفت انتباه الأخ السائل إلى حقيقة تاريخية، وهى أن القرآن الكريم على مر التاريخ منذ لحظة نزوله قد تعرض لهجمات كثيرة فى الشرق والغرب، باعتباره الركيزة الأساسية للإسلام، وكانت هذه الحملات من النصف الثانى للقرن الأول الهجرى، حين بدأ يوحنا الدمشقى (650 -750 م) هذا الهجوم بتوجيه عدة انتقادات على النسق العام، ثم جاء هجوم مفصَّل شنيع على القرآن فى أعمال نيكيتاس البيزنطى.. ثم جاء أكبر هجوم جدلى على القرآن على يد إمبراطور بيزنطة جان كنتاكوزين . وتوقف الهجوم البيزنطى على القرآن بفتح المسلمين للقسطنطينية، وتولت أوروبا المسيحية الأمر من بعد ذلك، ومن أشد هذه الهجمات ما كتبه لورد مراش فى كتاب من مجلدين أولهما بعنوان “مقدمة فى دحض القرآن” والمجلد الثانى “النص العربى للقرآن” مع ترجمة لاتينية له.
ومع بداية القرن التاسع عشر يجتهد المستشرقون ولا يزالون فى تكثيف الهجوم على القرآن الكريم، بطرح قضايا وهمية حوله، وإبراز نتائج زائفة استخلصوها من مقدمات خاطئة.
المهم.. المهم.. المهم: أن كل هذه الافتراءات والجهالات ماتت، وظل القرآن الكريم يتحدى.. لأنه كلام الله، ولأنه الحق الذى لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصلت/42.
والله أعلم