السؤال:

بعت كمية كبيرة من الدجاج بسعر متفق عليه على أن يسلم الدجاج للمشتري بشكل يومي بعدد متفق عليه ولمدة معينة فقام المشتري بعد العقد مباشرة ببيع كمية الدجاج كلها لشخص آخر بربح معلوم وطلب مني أن أورد الدجاج للمشتري الثاني فما حكم هذه المعاملة أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد انعقد الإجماع على حرمة بيع الطعام قبل قبضه ووقع الخلاف بين الفقهاء فيما سواه، وعلى هذا فما قام به المشتري من بيعه للدجاج قبل أن يقبضه فهذا البيع باطل وليس له أن يتصرف ببيع الدجاج حتى يقبضه ممن ابتاعه منه..

وإليك فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

العقد الأول الذي تم فيه الاتفاق على بيع كمية كبيرة من الدجاج بسعر متفق عليه على أن يسلم الدجاج للمشتري بشكل يومي بعدد متفق عليه ولمدة معينة عقد صحيح على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو ما يسمى اليوم بعقد التوريد.

قال الشيخ العلامة مصطفى الزرقا -رحمه الله- عن عقد التوريد [هو صحيح شرعاً غير فاسد كما هو صحيح قانوناً … وعقد التوريد هذا المسؤول عنه يشبه إلى حد كبير بيع الاستجرار الذي نصَّ عليه الحنفية، كما أنه أولى بالصحة من البيع بما ينقطع عليه السعر الذي صححه الحنابلة، مع أن فيه كَمية محدودة والسِّعر غير محدَّد عند العَقد لذلك يكون قياسُها على أحدهما قِياسًا صحيحًا، ولا سيَّما أن الحاجة العامّة اليوم تدعو إلى ممارسة عقد التوريد، كما أنه أصبح متعارَفًا.

وقد نصّ الحنفيّة على أن العرف يُصحِّح الشروط الفاسدة إذا تُعورِفت، وجرى عليها التعامل؛ لأنها بالتعارف ينتفي من طريقها النزاع؛ إذ تصبح مألوفة، ويبني العاقدان عليها حسابهما، فلا تكون مفاجأة غير مألوفة قد تُخِلُّ بالتوازن بينهما وتؤدّي إلى النزاع. ولا يخفى أن عقد التوريد قد أصبح فيه عرف شامل، ولا سيما بعد أن قررته القوانين.] فتاوى مصطفى الزرقا ص487-488

أما العقد الثاني الذي تم بين المشتري الأول والمشتري الثاني فعقد باطل؛ حيث إن المشتري الأول باع الدجاج قبل أن يقبضه والبيع قبل القبض مفسد للعقد عند أهل العلم ،وخاصة أن البيع وقع على شيء مطعوم. فإذا اشترى شخص طعاماً فلا يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه باتفاق أهل العلم لأن بيع الطعام قبل القبض لا يصح شرعاً قال ابن المنذر‏ فيما نقله عنه الشيخ ابن قدامة المقدسي [ أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاماً فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه ] المغني 4/83.

وقال ابن رشد المالكي: [وأما بيع الطعام قبل قبضه، فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي. وإنما أجمع العلماء على ذلك لثبوت النهي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه ] بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/119.

واستدل العلماء بأدلة كثيرة على المنع من بيع الطعام قبل قبضه منها :عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) رواه البخاري ومسلم وفي رواية عند البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما يقول :قال النبي صلى الله عليه وسلم :( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله ) رواه مسلم.

وفي رواية أخرى عند مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه قال ابن عباس وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام) وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه قال وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه ) رواه مسلم
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفى) رواه مسلم وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَيَّ ؟ قَالَ : إذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ

وعن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري‏)‏ رواه ابن ماجه والدارقطني‏.‏وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/20.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:ابتعت زيتاً في السوق فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به ربحاً حسناً فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفتُ فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) رواه أبو داود ‏.‏وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/668.

قال صاحب عون المعبود [ ( فلما استوجبته ) : أي صار في ملكي بعقد التبايع …( فأردت أن أضرب على يده ) : أي أعقد معه البيع ،لأن من عادة المتبايعين أن يضع أحدهما يده في يد الآخر عند العقد…] عون المعبود 9/286.وقال الإمام الترمذي [ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه ) قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله).

قال: وفي الباب عن جابر وابن عمر وأبي هريرة، قال أبو عيسى – الترمذي -: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا بيع الطعام حتى يقبضه المشتري. وقد رخص بعض أهل العلم فيمن ابتاع شيئاً مما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب أن يبيعه قبل أن يستوفيه، وإنما التشديد عند أهل العلم في الطعام وهو قول أحمد وإسحق ] سنن الترمذي 3/586.

وقال الإمام النووي بعد أن ذكر ما رواه مسلم في هذا الباب: [باب بطلان بيع المبيع قبل قبضه… وفي هذه الأحاديث النهي عن بيع المبيع حتى يقبضه البائع ، واختلف العلماء في ذلك ،فقال الشافعي: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه سواء كان طعاماً أو عقاراً أو منقولاً أو نقداً أو غيره . وقال عثمان البتي : يجوز في كل مبيع .
وقال أبو حنيفة: لا يجوز في كل شيء إلا العقار .
وقال مالك: لا يجوز في الطعام ويجوز فيما سواه . ووافقه كثيرون . وقال آخرون : لا يجوز في المكيل والموزون ويجوز فيما سواهما . أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه ،قالوا : وإنما الخلاف فيما سواه فهو شاذ متروك والله أعلم . ] شرح النووي على صحيح مسلم 4/130.

وقد أشار ابن عباس رضي الله عنه إلى العلة في منع بيع الطعام قبل قبضه لما سأله طاووس فيما رواه البخاري عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله نهى أن يبيع الرجل طعاماً حتى يستوفيه قلت – أي طاووس – لابن عباس كيف ذاك ؟ قال ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ قال أبو عبد الله مرجئون مؤخرون].

قال الإمام الشوكاني في شرحه [ … ما علل به النهي فإنه أخرج البخاري عن طاووس قال قلت لابن عباس كيف ذاك قال دراهم بدراهم والطعام مرجأ استفهمه عن سبب النهي فأجابه بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم ،ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاووس ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ وذلك لأنه إذا اشترى طعاماً بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلاً فكأنه اشترى بذهبه ذهباً أكثر منه ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق على ما كان من التصرفات بغير عوض، وهذا التعليل أجود ما علل به النهي لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم . ] نيل الأوطار 5/180-181.

وما نقل عن عثمان البتي وهو أحد فقهاء التابعين من جواز بيع الطعام قبل قبضه فهو قول شاذ ومخالف لصريح الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ ابن عبد البر‏:‏ وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام‏،وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه] المغني 4/86

وقال الإمام النووي [أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه ،قالوا : وإنما الخلاف فيما سواه فهو شاذ متروك والله أعلم . ] شرح النووي على صحيح مسلم4/130.وقال الإمام الشوكاني[ وروي عن عثمان البتي أنه يجوز بيع كل شيء قبل قبضه والأحاديث ترد عليه فإن النهي يقتضي التحريم بحقيقته ويدل على الفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول ] نيل الأوطار 5/179

وهنا أنبه على قضية هامة وهي إن بعض الناس يتعلق بالأقوال الشاذة ليبرر أقواله وأعماله فهذا طريق باطل فليس كل قول قاله عالم صحيح وليس كل ما قاله فقيه من فقهائنا مسلَّمٌ به وصحيح ، إلا قولاً له حظٌ من الأثر أو النظر فلا يصح الأخذ بشواذ الأقوال وقديماً قال الإمام مالك يرحمه الله :[ كلٌ يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر ، وأشار إلى قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ]

وخلاصة الأمر أن العقد الثاني المذكور في السؤال باطل لأن المشتري الأول باع الدجاج قبل أن يقبضه.

والله أعلم.