السؤال:

حدث خلاف بيني وبين زوجي وعلى إثر هذا الخلاف قمت بالذهاب إلى أحد المراكز الإسلامية في نيوزلاندا (محل إقامتنا) ، وإمام المركز استدعى الزوج ولكنه رفض المثول أمامه ، فقام إمام المراكز بإعطائي وثيقة تفيد أنه قد تم الخلع فهل وقع الخلع فعلا أم ما زالت الزوجية قائمة؟ وماذا تفعل المسلمة الكارهة لزوجها هل تجبر على البقاء في عيش نكد لمجرد أنه لا توجد محاكم شرعية في البلاد الغربية؟ وما السبيل لفكاكها من زوج ينغص عليها عيشها ولا تريد البقاء معه؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

يقول فضيلة الدكتور عبد الله الجديع – عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث-:

بخصوص السؤال الذي أوردتم ألخص لكم جوابه فيما يلي:

1- هذه الصورة التي وقعت ليست خلعاً؛ لأن الخلع يتم بافتداء الزوجة نفسها من زوجها وذلك بأن تبذل له ما أعطاها من مهر أو قيمته وتقول له: خالعني، فإذا قبل كان خلعاً.

2- الصورة المذكورة ظاهرها صورة “فسخ” حيث رفض الزوج التطليق وفصل في الأمر إمام المركز، وهي وظيفة لا يقوم بها إلا الحاكم: كان القاضي أو السلطان أو الحكمين الذين يجتهدان في الصلح فإن تعذر فرقا بينهما.

3- إمام المركز في البلاد التي لا يوجد فيها قضاء في الأحوال الشرعية وفق شريعة الإسلام لا ينزل منزلة القاضي إلا إذا تواطأ على ذلك المسلمون في تلك البلاد أو المنطقة.

4- والذي أراه في الحالة المذكورة وشبهها أن يتم سلوك ما يلي:

أ -اللجوء إلى حكمين مسلمين أحدهما من طرف الزوج والآخر من طرف الزوجة، وإن كان ذلك بغير رضا الزوج، كما قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)، وللحكمين أن يفرقا بينهما عندما يتعذر الإصلاح.

ب-  فإن تعذر، وكانت الزوجة يمكنها المطالبة بفسخ النكاح في بلاد فيها قضاء إسلامي فعليها أن لا تتجاوز ذلك، وهذا في علمنا ممكن في بعض الحالات خصوصاً إذا كان الزواج مسجلاً في بلاد إسلامية، والزوجة يمكنها القيام بذلك في تلك البلاد ولو بالوكالة.

ج – فإن لم يمكن ولم يكن أمام الزوجة إلا اللجوء إلى القضاء المدني في بلد إقامتها فلا مانع أن تلجأ إليه وإن كان القاضي ليس مسلماً، لأن إرغام الزوج على فسخ عقد النكاح لا يكون إلا من الحكمين أو ذي سلطان، ولما تعذر تحكيم حكمين وتعذر السلطان المسلم فلا مانع من أن يكون سلطاناً غير مسلم. وسبق للمجلس الأوربي قرار في ذلك في شأن تطليق القاضي غير المسلم، وكان قراره ما يلي:

“الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاض مسلم أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه يتعين على المسلم الذي أجرى عقد زواجه وفق قوانين هذه البلاد، تنفيذ قرار القاضي غير المسلم بالطلاق؛ لأن هذا المسلم لما عقد زواجه وفق هذا القانون غير الإسلامي، فقد رضي ضمناً بنتائجه، ومنها أن هذا العقد لا يحل عروته إلا القاضي. وهو ما يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج جائزاً له شرعاً عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك. لأن القاعدة الفقهية تقول (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً). وتنفيذ أحكام القضاء ولو كان غير إسلامي جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد وحسماً للفوضى، كما أفاده كلام غير واحد من حذاق العلماء كالعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي”.. انتهى.

د -إن وقعت هذه الحالة الأخيرة فعلى المرأة أن تدفع عن نفسها مظنة المخالفة الشرعية الناتجة عن حكم القاضي، وذلك باستفتاء عالم ثقة في حالتها التي قضى فيها القاضي غير المسلم ببيان جميع حيثياتها القضائية للمفتي، خشية أن تكون قضي لها بما لا يباح كبعض التعويضات التي يبالغ فيها القضاء أحياناً. وهذا من أجل أن تطمئن ديانة. هذا ما تبين وتيسر.

ويقول فضيلة الدكتور صلاح الصاوي -الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا-:

الأصل في الخلع أن يقوم به الزوج، ولا ينبغي أن يفتات عليه في ذلك، فهو صاحب العصمة، وهو الأحق بإمساك زوجه أو بتسريحها، ولكن الحاجة قد تمس إلى تدخل القضاء في بعض الحالات كنشوز بعض الأزواج وإصرارهم على عدم الاستجابة لما تسأله الزوجة من المفارقة ، فعندئذ يتدخل القاضي للتوفيق أو للتفريق.

فإن عجز عن الإصلاح بينهما، أمر الزوج بقبول المخالعة، فإن أبى الزوج تولى هذه المخالعة نيابة عنه، ومثل ذلك لو اختفى الزوج بعد طلب المخالعة، وأخفى عنوانه، ولم يكن ثمة سبيل إلى الوصول إليه، ولكن ينبغي على القاضي أن يعلم أن تدخله على خلاف الأصل، فعليه أن يعذر إلى الزوج، وأن يعلمه بطلب المخالعة من قبل زوجه، ويأمره بقبولها ، ثم يكرر ذلك مرتين أو ثلاثا، ويضرب له في كل مرة أجلا ملائما، ويتأكد من وصول الخبر إليه، ومن كون المدة التي ضربت له كافية للتدبر وإبرام أمره، بعد أن يكون قد قام بدوره في محاولات الإصلاح ما أمكن، فإن فشل في كل ذلك كان تدخله في نهاية المطاف لرفع الضرر عن المرأة.

وما تلجأ إليه بعض المراكز الإسلامية من المبادرة إلى خلع الزوجة بمجرد الاستماع إلى شكواها دون محاولات جادة وحقيقية للوصول إلى الزوج والاستماع إليه وتمكينه من ممارسة حقه في مباشرة الخلع بنفسه، يعد من التسرع المذموم الذي يأثم به من فعله، ولا يبعد القول بعدم نفوذ الخلع في هذه الحالة.

والله أعلم.