السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرا وكل الخير على خدماتكم القيمة المتميزة. لدي سؤال كالتالي: قبل وفاة والدي من 25 عام أخبرني أن أحد المهندسين (صديق له) يطلب منه 500 (خمسمائة جنيه مصري) قيمة رسومات هندسية لعمارة سكنية، ولم يكن والدي يتوقع هذا المبلغ الكبير (وأنا شخصيا لم أكن أستغرب قيمة أجر المهندس). وتوفي والدي ووقعنا في مشاكل مع الضرائب أخذت سنوات طويلة حتى إننا (الورثة) كنا نستكثر سداد هذا المبلغ بينما لدينا التزامات كثيرة. بعد وفاة والدي بحوالي 3-5 سنوات طلب ذلك المهندس من أخي 1500 جنيه قيمة أتعابه عن الرسومات الهندسية، وهو الأمر الذي استهجنته بشدة لضخامة المبلغ مقارنة بما قاله لي والدي (500 جنيه) ولا أشك فيما قاله والدي على الإطلاق. اقترحت على أخي رد الرسومات الهندسية إلى ذلك المهندس علما بأننا لم نستخدم رسومات ذلك المهندس لعدم اقتناعنا بها (وكنت أخبرت والدي بعدم اقتناعي بالرسومات أثناء حياته فهي كانت تصلح لمبنى 2-3 طوابق على مساحة صغيرة من الأرض) بينما حصلت أنا وأخي، بعد وفاة والدي، على رسومات أخرى من مهندس آخر لبناء 10 طوابق على مساحة كبيرة من الأرض الموروثة من والدي. وحصلنا على تلك الرسومات الجديدة بعد وفاة والدي بمدة وبمبلغ 500 جنيه فقط ولم ترتفع إلى 1500 جنيه وقتها. مما يدل على أن المهندس الأول كان قد بالغ عند طلب 1500 جنيه من أخي وأن الرقم الحقيقي كان 500 جنيه (على الأكثر). لا أظن أن أخي رد الرسومات للمهندس الأول ولكننا لم نستخدمها على أي حال. 1) فهل يعتبر مبلغ الخمسمائة جنيه مستحق للمهندس الأول كدين على والدي بالرغم من عدم استخدامنا لرسومات ذلك المهندس. 2) وإذا كان ذلك المبلغ دينا على والدي، هل يجب سداده مضاعف (بإضافة 10% سنويا مثلا) ليصبح خمسة آلاف جنيه كتعويض عن تأخير سداد المبلغ؟ 3) وإذا كان المبلغ والتعويض مستحقين فهل يمكن سدادهما من أموال زكاتنا وليس من تركة والدي المتوفي؟. 4) وهل من الضروري البحث عن رسومات المهندس الأول وإعادتها إليه أو إبلاغه بما حدث على الأقل؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

يقول الشيخ جمال قطب : رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا-

العلاقة بين والدك المتوفى وبين المهندس الذي أعد الرسومات إذا كان هناك عقد استوفى أركانه وعليه شهود (مكتوب أو شفوي) فلا بد أن ينفذ هذا العقد، ولا حجة بكلام أبيك، ولا بدعوى المهندس، ولكن الحجة في العقد المشهود عليه إذا وجد.

أما إذا لم يكن هناك عقد ولا إشهاد، فإن المسألة تصبح تقديرًا من والدك من ناحية، وتقديرًا من المهندس من ناحية أخرى. وفي هذه الحالة فإن الشرع يقرر أنه ليس للإنسان أن يقدر قيمة عمل الآخر بعد إنجازه، إنما كان له ذلك الحق قبل بداية العمل.

وعلى ذلك فالواضح من سؤالك أنك بين أمرين:

1 – إذا وجد شهود على المبلغ الذي قرره والدك، أو المبلغ الذي قرره المهندس، فيجب الالتزام بهذا المبلغ.

2 – إذا لم يكن هناك شهود فالأولى تحكيم متخصص (مهندس إنشائي آخر) يقدر قيمة عمل ذلك المهندس في زمنه، ويقبل الطرفان (أنت والمهندس) حكم هذا (الحكم الخبير الإنشائي).

3 – لا حجة فيما فعله المهندس الثاني، فالأعمال المهنية والحرفية مهارات خاصة لكل واحد من أهلها أن يقدر قيمة عمله، وللمحتاجين إلى هذا العمل أن يختاروا من يريدون ومن يقدرون على أتعابه.

4 – ولا ينبغي التفكير بإضافة نسبة للتأخر أو الفوائد أو ما إلى ذلك، لأن التضخم أمر لا يمكن قياسه، والأصل أن التعامل بالذهب والفضة. وما الأوراق إلا وسيلة بديلة للحفاظ على الذهب والفضة.

5 – لا يجوز لك الامتناع عن دفع أجر المهندس الأول بدعوى أنك تعيد إليه رسوماته، أو بأنك لم تستعمل هذه الرسومات، فإن الرجل قد أنجز العمل المطلوب، سواء استعملته أم لم تستعمله، ولا قيمة لهذه الرسومات الهندسية إلا عندك أنت، فيجب دفع قيمتها المتعاقد عليها أو المحكوم بها من قبل (الخبير المتخصص). انتهى.

أما ما يتعلق ببقية النقاط فهي كالتالي:-

1- بالنسبة لإرجاع الرسومات إلى المهندس، فهذا ليس واجبا؛ لأنها صارت ملكا لكم، ولكن لا مانع عند إعطائه أجرته أن تخبروه بأنكم لم تستخدموها، وبأنكم حصلتم على أفضل منها بأقل من سعره بكثير حتى يكون على بينة بسعر السوق فيما بعد، وحتى يعرف أنكم ستدفعون له ماله بالرغم من أنكم لم تستفيدوا منها شيئا خوفا من الله تعالى.

2- بالنسبة لحكم دفع قيمة الرسومات من الزكاة لا يجوز طالما أن والدكم قد ترك لكم تركة يمكن الوفاء منها.

3- لا يجب عليكم أن تردوا إلى هذا المهندس إلا مثل العدد الذي يحكم به المجلس، فإذا قرر المجلس أن قيمة هذه الرسومات خمسمائة في وقت رسمها فليس للمهندس أن يطالبكم بأكثر منها بدعوى تعويضه عن فقدان المال لقوته الشرائية، فإن الأصل في الشرع أن الديون تقضى بأمثالها لا بقيمتها.
فقد جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي ما يأتي :-

العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما ، هي بالمثل وليس بالقيمة ، لأن الديون تُقضى بأمثالها ، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة ، أيا كان مصدرها ، بمستوى الأسعار .

والله أعلم .