السؤال:

طالعتنا الصحف بمنع القنصلية السعودية بباريس عدم منح بعض الفتيات المسلمات حديثا تأشيرات للحج ، مما تسبب في كثير من المشاكل ، والتي من أهمها حرمان الفتيات المسلمات الجديدات من الحج، مسلمات جدد في فرنسا محرومات من الحج مع محاولة البعض تشويه صورة الإسلام خاصة لهؤلاء المسلمات الجديدات ، فهل يجوز منع هؤلاء الفتيات من الحج؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فإن كان الحكم الشرعي في مسألة حج المرأة بلا محرم من الأمور التي اختلف فيها الفقهاء، فإن ترجيح رأي الجواز في المسألة المسؤول عنها هو الأولى ، نظرا لطبيعة الحالة المذكورة، وتغير الزمان والمكان والأحول، وهذا لا ينكر أثره في تغير الفتوى فضلا عن ترجيح رأي على آخر. سفر المرأة بغير محرم لأداء فريضة الحج

يقول الأستاذ مسعود صبري الباحث الشرعي بكلية دار العلوم :

المطالع للمسألة في كتب الفقه يجد فيها رأيين :
الأول: وجوب المحرم في الحج، وهو رأي الأحناف والإمام أحمد والنخعي وإسحاق، وقالوا: ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم تحج به أو زوج، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام.

الثاني: يجوز الحج مع محرم أو بلا محرم عند أمن الفتنة، أو في وجود نسوة ثقات ونحو ذلك، وهو رأي الحسن البصري و الشافعية وداود ومالك، ولكن الإمام مالك منع أن تكون امرأة ثقة واحدة ، بل لابد من جماعة من النساء .

وقال أصحاب هذا الرأي : إن كان الحج فرضا جاز لها الخروج مع زوج أو محرم أو نسوة ثقات، ويجوز مع امرأة ثقة . قال الماوردي من فقهاء الشافعية: ومن الأصحاب من قال: إذا كان الطريق آمنا لا يخاف خلوة الرجال بها جاز خروجها بغير محرم، وبغير امرأة ثقة” .
“الرفقة الآمنة” بديل “المحرم” في الحج

واستدل الأحناف ومن وافقهم على وجوب المحرم للحج بما يلي:

1- ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج) متفق عليه .

2- وروى عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: (خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم. فقال رجل: يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا، وقد أرادت امرأتي أن تحج؟ فقال رسول الله: احجج مع امرأتك) متفق عليه .

واستدل الشافعية ومن وافقهم بما يلي:
حديث عدي بن حاتم قال (بينما أنا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – إذ أتى رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها . قال: فإن طال بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله . قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله) أخرجه البخاري .

وقد رد من أوجب المحرم في الحج بأن حديث عدي إخبار وجود، ولا يدل على الجواز .
وأجاب من رأى عدم اشترط المحرم أن الحديث في مقام المدح، ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز. كما ردوا بأن الأحاديث الواردة في اشتراط المحرم أحاديث عامة، وحديث عدي يخصصها. كذلك فرقوا بين حج الفريضة وحج النافلة ، فيشترط المحرم في حج النافلة دون الفريضة .

ومع هذا فالذي يترجح في المسألة كحكم شرعي أنه يجوز الحج بلا محرم عند توافر الأمن ، لما يلي :

  • أنه يمكن الجمع بين الأحاديث، فهي تشير إلى فترات زمانية متباعدة، لها خصائصها الاجتماعية والعرفية ، فقطع الطريق والخوف على النفس كان هو السائد في العهد النبوي وما قبله . ثم أخبر – صلى الله عليه وسلم – بتغير الحال، وقد ارتبط الحكم بعلته، وهو عدم الأمن والخوف على النفس، فلما زال ذلك، عاد الحكم إلى الإباحة .
  • كما أن هناك من الأحاديث التي ترهب من ترك الحج ، فإن كانت المرأة مستطيعة ، وجب عليها الحج، وإن منعها زوجها، فلا يسقط عنها الفريضة، ولها الحج دون إذنه ، كما يرى بعض الفقهاء ، ومن الفقهاء من يرى أنه يجب عليها استئذانه ، ويجبر على الإذن لها .

على أنه إن كان الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، فإنه يحكم بأنه لا يجوز للمرأة الحج وحدها، إن خافت على نفسها، أو لم تأمن الطريق، فيجب عليها ساعتها أن يكون معها محرم أو زوج .

أما في مقال الحادثة ، وهي التي تعتبر بمثابة الفتوى لا الحكم الشرعي ، فإن اعتبار الرأي بجواز سفر المرأة للحج بلا محرم – عند أمن الفتنة ووجود نسوة ثقات – هو الأصلح للحالة بسبب حداثة إسلام هؤلاء الفتيات ، حتى نعطي لهم فرصة في إتيان الأركان الأساسية للإسلام ، وهذا يعمق الإيمان في قلوبهن ويؤسسه في نفوسهن، ويربطهم بالتاريخ الإسلامي الخاص بالمناسك من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام وحتى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
والله أعلم