السؤال:

أبى كان يعمل في أحد البنوك - رحمه الله- وبعد وفاته، تم صرف معاش نعيش منه، وكذلك مكافأة مالية. كما أنه اشترى مما كان يدخره من عمله أرضا زراعية وأنا عرفت أن العمل في البنوك حرام، فماذا أفعل وكل حياتنا مترتبة على هذا المعاش والأرض. علما بأن لنا قطعة من الأرض من ميراث أمي، والجزء الآخر من ميراث أبى من والدته ، فلو كان هناك حرمة في العيش من هذا الميراث الذي جاء من عمله في البنك ماذا افعل؟ وأمي غير مقتنعة؟ وفي حالة ما إذا كنت أريد أن أبني مستقبلي من الأموال الحلال التي هي من ميراث أبي وأمي من الأرض الزراعية، فلن توافق أمي ؛ لأننا لم نقم بتقسيم الميراث بعد، لذلك فأنا أتاجر ببعض المال الذي من مكافأة والدي الذي صرفه له البنك، فهل هذا حرام أم يمكن اعتباره حلالا باعتبار جزءا من الميراث الحلال المتحصل من الأرض ؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

يمكنني أن أجمع لك أطراف المسألة في النقاط التالية :-

1- جمهور العلماء المعاصرين يحرمون العمل في البنوك الربوية، : وهذا الرأي هو الراجح قطعا، ولكن ذهب الشيخ القرضاوي إلى جواز العمل في البنوك الربوية خاصة لمن لم يجد عملا آخر، وقد يكون أبوك اطلع على هذا الرأي لفضيلة الشيخ القرضاوي، أو أفتاه به أحد غيره فيكون المال المتحصل حلالا بناء على هذا الاجتهاد، وإن كنا ابتداء لا نفتي أحدا بجواز العمل في البنوك الربوية.

2- ومن المعروف أن أعمال البنوك ليست كلها على درجة واحدة، فمنها الحرام الظاهر كالفوائد وما يتصل بها، ومنها الحلال الظاهر كالعمولة التي يحصلها البنك من عمليات الحوالة، وصرف المعشات، وصرف العملات،وتأجير الصناديق الحديدية، واستخراج الشيكات، وعمليات التحصيل.

3- ومعنى ذلك أن راتب أبيك الذي يحصل عليه ليس كله حراما، ولكنه مال مختلط بعضه حلال، وبعضه حرام.

والمعاش الذي تصرفه جهة العمل ليس كله حراما؛ لأن المعاش يتكون من رافدين:
الرافد الأول : الجزء الذي يخصم من الموظف،وهذا بعضه حلال، وبعضه حرام لأنه من الراتب المختلط.

الرافد الثاني :- ما يخرجه البنك نفسه بناء على قوانين الدولة ، وهذا في ذاته منحة تفرضها الدولة، فتكون نسبة الحلال في هذا الرافد أكثر من نسبته في الأول بالرغم من أن المنحة تصرف من أعمال البنك التي يرجع معظمها إلى الحرام، وذلك لما أجازه بعض الفقهاء من جواز أن يأخذ الدائن دينه من المدين حتى لو كان الدائن يقضي الدين من الربا.

4- فإذا أضفنا الأرض التي ورثها أبوكم عن أهله، وأرض أمكم
إلى التركة عظمت نسبة الحلال وكثرت، وأصبح المال مختلطا.

5- وأما حكم التركة الربوية المختلطة فقد أفتى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بالآتي :-

أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن وإلا تصدق به . والباقي لا يحرم عليه ; لكن القدر المشتبه يستحب له تركه . إذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال .

وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية- المراد بالمعاملات الربوية المحرمة المختلف فيها بيع العينة والتورق ونحو ذلك- التي يرخص فيها بعض الفقهاء . جاز للوارث الانتفاع به . وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما جعل ذلك نصفين . انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

6- فإذا وصلنا إلى أنك ستقسم هذا المال نصفين، تخرج نصفه للفقراء والمساكين، وتنتفع بالباقي أنت والورثة قيبقى السؤال: هل يجوز أن تمضي في مشروعك بمال المكافأة الذي حصلت عليه من البنك ناويا أنه من النصف الحلال حتى تتمكن من بيع الأرض وحساب التركة؟

والجواب : أنه نعم يجوز ذلك بناء على ما ذكره الحنفية – إلا زفر – ورواية عن أحمد وهو مشهور مذهب مالك من أن النقود لا تتعين.

والله أعلم .