السؤال:

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته :- يقوم سائقو حافلات النقل الجماعي بين المحافظات بتشغيل أفلام هابطة المستوى طوال الرحلة مما يخدش حياء المسافرين و يؤثر عليهم تأثيرا خلقيا سلبيا. و بسؤالي لهؤلاء السائقين عن سبب إصرارهم على عرض هذه المواد أخبروني أنهم مجبرون علي تشغيل جهاز الفيديو، و أن هذه الأفلام هي ما يتوافر لديهم. و تمنوا لو توافرت لديهم مادة مفيدة لعرضها على المسافرين خلال الرحلة. فهل يجوز لي الإنفاق من زكاة المال على طباعة أشرطة فيديو دينية لتوزيعها على هؤلاء السائقين أم لا؟ وهل يندرج هذا تحت بند "و في سبيل الله" من مصارف الزكاة؟ و جزاكم الله عنا خيرا.

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

يقول حامد العطار الباحث الشرعي بالموقع :-

أحسن الله إليك – أختنا الفاضلة – غيرتك على دينك ، وتحركك لتغيير ما لا يحبه الله ولا يرضاه، وأسأل الله أن يبارك في نيتك وعملك ، وأن يجعلك دائما غيورة على دينه، ساعية في طاعته، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ، ,وأبشرك بقوله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت : 33 )

وأما هل يجوز أن تشتري أشرطة فيديو منضبطة بقواعد الشرع من أموال الزكاة أم لا ؟
فللجواب عن ذلك نجد أنه قد ثبت بنص القرآن أن ثمة مصرفا من مصارف الزكاة يطلق عليه ( في سبيل الله) وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في تحديد المراد بهذا المصرف بين موسع يجعله شاملا لكافة أبواب البر والخير، وبين مضيق يجعله مقصورا على المجاهدين في سبيل الله، ويبلغ تضييق بعض هؤلاء أن يجعلوا هذا المصرف خاصا بأشخاص المجاهدين أنفسهم ، دون النفقة على مصالح الجهاد ومعداته، بل يبلغ الضيق منتهاه عند بعضهم حينما يقصرونه على المجاهد الفقير بخلاف المجاهد الغني – وهم بعض الحنفية-!!

والذي رجحه بعض المحققين – وهو ما نرتضيه ونختاره للفتوى- أن هذا المصرف ليس شاملا لكل بر وخير وإلا لما كان هناك معنى لتعداد ثمانية مصارف للزكاة ؛ لأنه لو كان واسعا هذه السعة لأغنى عن ذكر غيره.
ولكنه ليس ضيقا كذلك ليقتصر على القتال من أنواع الجهاد، بل هو عام يشمل كافة أنواع الجهاد الإسلامي…. الجهاد الثقافي، والتربوي ، والإعلامي…. الجهاد بالكلمة ، وبالكتاب ، وبالشريط ، وبالمجلة، وبغيرها بشرط أن يكون جهادا لإعلاء كلمة الله ، وإخماد كلمة الكفر والمعصية.
ولا شك أن شراء هذه الأشرطة النافعة مما يخمد الفساد، ويرفع كلمة الله في هذا الوسط الذي طغت فيه المادة، وخفت فيه داعي الإيمان.

جاء في كتاب فقه الزكاة للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :-

نرى أن توجيه هذا المصرف إلى الجهاد الثقافي والتربوي والإعلامي أولى في عصرنا- يقصد أنه أولى من الجهاد المسلح، وعلى الدولة أن تنفق على الجهاد المسلح من غير الزكاة-.
بشرط أن يكون جهادًا إسلاميًا خالصًا وإسلاميًا صحيحًا، ، فلابد أن يكون الإسلام هو الأساس والمصدر، وهو الغاية والوجهة، وهو القائد والموجه، حتى تستحق تلك المؤسسات شرف الانتساب إلى الله، ويُعد العمل فيها ولها جهادًا في سبيل الله.
ونستطيع أن نضرب أمثلة شتى لكثير من الأعمال التي تحتاج إليها رسالة الإسلام في هذا العصر، وهي جديرة أن تُعَد بحق جهادًا في سبيل الله.

إن إنشاء مراكز للدعوة إلى الإسلام الصحيح، وتبليغ رسالته إلى غير المسلمين في كافة القارات، في هذا العالم الذي تتصارع فيه الأديان والمذاهب، جهاد في سبيل الله.
وإن إنشاء مراكز إسلامية واعية في داخل بلاد الإسلام نفسها، تحتضن الشباب المسلم، وتقوم على توجيهه الوجهة الإسلامية السليمة، وحمايته من الإلحاد في العقيدة، والانحراف في الفكر، والانحلال في السلوك، وتُعده لنصرة الإسلام، ومقاومة أعدائه، جهاد في سبيل الله.

وإن إنشاء صحيفة إسلامية خالصة، تقف في وجه الصحف الهدَّامة والمضللة، لتعلي كلمة الله، وتصدع بقولة الحق، وترد عن الإسلام أكاذيب المفترين، وشبهات المضللين، وتعلم هذا الدين لأهله خاليًا من الزوائد، والشوائب، جهاد في سبيل الله.
وإن نشر كتاب إسلامي أصيل، يحسن عرض الإسلام، أو جانب منه، ويكشف عن مكنون جواهره، ويبرز جمال تعاليمه، ونصاعة حقائقه، كما يفضح أباطيل خصومه، وتعميم مثل هذا الكتاب على نطاق واسع، جهادًا في سبيل الله. انتهى بتصرف.

بقي أن ألفت نظرك إلى نوعية الأشرطة التي تختارين، فاحذري أن تختاري أشرطة ثقيلة على الناس، فالقوم قد تعودوا الترفيه دون ضوابط ولا حدود، فلا يحسن أن تكون النقلة بمثابة الطفرة التي تثيرهم عليك، فيفسد مشروعك كله.

فتدرجي بهم بلطف لا يدرك، وتنقلي بهم بخفة لا تحس؛ فإن منهم ولا شك – أفرادا- ينتظرون تلك الرحلة ليسبحوا في دروب الخيال والمتعة بعيدا عن شظف الحياة وقسوتها.

ولست أقصد بذلك أن تحضري لهم ما يستمتعون به حتى لو كان فيه ما يغضب الله، ولكن انتقي ما لا معصية فيه، فليس من المعقول أن نشتري من أموال الزكاة أفلاما تستعرض صور النساء بعوراتهن – العورة ما زاد على الوجه والكفين- .

والله أعلم .