السؤال:

امرأة نوت وهمت وعزمت على التصدق ببعض مالها، وفي طريقها إلى مصرف الصدقة قابلتها صديقة لها فأثنتها عن الصدقة ، فهل يجوز لها الرجوع عن التصدق بما نوت التصدق به؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

فإن ما كان من أمر هذه المرأة من الهم والعزم والنية على التصدق ببعض مالها أمر لا يخرج المال عن ملكها؛ لأن الصدقة لا تخرج عن ملكها إلا إذا قبضها المتصدق عليه، وأما قبل ذلك فلا، ودليل هذا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال (يا رسول الله , إن من توبتي : أن أنخلع من مالي , صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) فسيدنا سعد هنا نوى ، وعزم ، بل وتكلم إلا أن ذلك لم يخرج ماله عن ملكه فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم ذلك.

ومع تقريرنا جواز الرجوع إلا أننا نذكر المرأتين كلتيهما باستحباب إمضاء الصدقة ، وبأن ما يتصدق به الإنسان خير له في آخرته.
وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار قالت امرأة منهن: ما لنا أكثر أهل النار؟ قال: “تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن” قالت: ما ناقصات العقل والدين؟ قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي)

يقول العلامة ابن دقيق العيد في شرحه للحديث السابق:-

استدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن من نذر التصدق بكل ماله : اكتفى منه بالثلث . وهو ضعيف ; لأن اللفظ الذي أتى به كعب بن مالك ليس بتنجيز صدقة , حتى يقع في محل الخلاف وإنما هو لفظ عن نية قصد فعل متعلقها ولم يقع بعد , فأشار عليه السلام بأن لا يفعل ذلك , وأن يمسك بعض ماله وذلك قبل إيقاع ما عزم عليه هذا ظاهر اللفظ، أو هو محتمل له , وكيفما كان : فتضعف منه الدلالة على مسألة الخلاف , وهو تنجيز الصدقة بكل المال نذرا مطلقا , أو معلقا .انتهى.

ويقول العلامة النووي الشافعي:-

من دفع إلى وكيله أو ولده أو غلامه أو غيرهم شيئا يعطيه لسائل أو غيره صدقة تطوع , لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه المبعوث إليه , فإن لم يتفق دفعه إلى ذلك المعين استحب له ألا يعود فيه , بل يتصدق به على غيره , فإن استرده وتصرف فيه جاز ; لأنه باق على ملكه .انتهى.

ويقول ابن قدامة الحنبلي في المغني:-

المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض . وهو قول أكثر الفقهاء منهم ; النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة والشافعي.

وقال مالك , وأبو ثور : يلزم ذلك بمجرد العقد ; لعموم قوله عليه السلام : { العائد في هبته , كالعائد في قيئه } . ولأنه إزالة ملك بغير عوض , فلزم بمجرد العقد , كالوقف والعتق، وربما قالوا : تبرع , فلا يعتبر فيه القبض , كالوصية والوقف . ولأنه عقد لازم ينقل الملك , فلم يقف لزومه على القبض كالبيع .

ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف , فروى عروة ، عن عائشة – رضي الله عنها – أن أبا بكر رضي الله عنه , نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما مرض , قال : يا بنية , ما أحد أحب إلي غنى بعدي منك , ولا أحد أعز علي فقرا منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا , ووددت أنك حزته أو قبضته , وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك , فاقتسموا على كتاب الله عز وجل .
وروى ابن عيينة , عن الزهري , عن عروة , عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر بن الخطاب , قال : ما بال أقوام ينحلون أولادهم , فإذا مات أحدهم , قال : مالي وفي يدي . وإذا مات هو , قال : كنت نحلته ولدي ؟ لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد , فإن مات ورثه وروى عثمان أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغارا.

قال المروذي : اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي , أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة . ولأنها هبة غير مقبوضة , فلم تلزم , كما لو مات قبل أن يقبض , فإن مالكا يقول : لا يلزم الورثة التسليم , والخبر محمول على المقبوض , ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق . لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى , فخالف التمليكات , والوصية تلزم في حق الوارث , والعتق إسقاط حق وليس بتمليك , ولأن الوقف والعتق لا يكون في محل النزاع في المكيل والموزون .

والله أعلم .